اختلف في معنى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا فِي كِتابٍ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أن المعنى: وما يُعَمَّر من مُعَمَّرٍ ولا يُنقَص من عُمُرِ آخَرَ غيره إلا في كتاب. الثاني: وما يُعَمَّر من مُعَمَّرٍ ولا يُنقَص من عمره بفناء ما فني من أيام حياته إلا في كتاب. ووجَّه ابنُ جرير (١٩‏/‏٣٤٤) القول الأول بقوله: «فالهاء التي في قوله: ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ على هذا التأويل -وإن كانت في الظاهر أنها كناية عن اسم المُعمَّر الأول- فهي كنايةُ اسمٍ آخرَ غيره، وإنما حسُن ذلك لأن صاحبها لو أُظهِرَ‍ أُظهِرَ بلفظ الأول، وذلك كقولهم: عندي ثوبٌ ونصفُه، والمعنى: ونصفُ الآخر». ووجَّهه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٠٧) بقوله: «أي: أن القول تضمن شخصين، يُعَمَّر أحدهما مائة سنة أو نحوها، ويُنقَص من الآخر بأن يكون عامًا واحدًا أو نحوه... لكنه أعاد الضمير إيجازًا واختصارًا، والبيان التام أن يقول: ولا يُنقَص من عُمر مُعَمَّر. لأن لفظ»مُعَمَّر«هي بمنزلة: ذي عُمْر، كأنه قال: ولا يُعَمَّر من ذي عُمْر ولا يُنقَص من عُمْر ذي عُمْر». ووجَّه ابنُ جرير القول الثاني بقوله: «والهاء على هذا التأويل للمُعمَّر الأول؛ لأن معنى الكلام: ما يُطوَّل عمرُ أحدٍ، ولا يَذهَب من عمره شيءٌ فيُنقَصَ، إلا وهو في كتابٍ عند الله مكتوب، قد أحصاه وعَلِمَه». ووجَّهه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٠٨) بقوله: «أي: ما يُعَمَّر إنسانٌ ولا يُنقَص من عمره، بأن يُحصى ما مضى منه، إذا مَرَّ حولٌ كتب ذلك، ثم حول. فهذا هو النقص». ورجَّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٣٤٥) القول الأول مستندًا إلى دلالة الظاهر، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، والضحاك، وابن زيد من طريق ابن وهب، وما في معناه، وعلَّل ذلك بأنه: «أظهر معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية أنه روي عن كعب الأحبار أن معنى: ﴿ولا يُنقَص من عمره﴾ «أي: لا يخترم بسبب قدرة الله تعالى، ولو شاء لأخر ذلك السبب، وروي أنه قال حين طُعِن عمر رضي الله عنه: لو دعا الله لزاد في أجله. فأنكر عليه المسلمون ذلك، وقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ [الأعراف:٣٤]. فاحتج بهذه الآية». ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهو قولٌ ضعيف مردود، يقتضي القول بالأجَلَيْن، وبنحوه تمسَّكت المعتزلة». ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٠٣) مستندًا إلى النظائر: «أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رَحِمَه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ: «أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم، فرأى فيهم رجلًا له بصيص، فقال: من هذا، يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهَبْتُ له من عمري ستين سنة. فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة. قالوا: وهبتها لابنك داود. فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب. قال النبي ﷺ: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته». وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره، فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم، إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إيّاه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها؛ فلهذا قال العلماء: إنّ المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات»

سورة الأعراف — الآية ٧٣

عن عمرو بن خارجة، عن رسول الله ﷺ، قال: «كانت ثمودُ قوم صالح أعْمَرهم الله في الدنيا، فأطال أعمارَهم حتى جعل أحدُهم يبني المسكن مِن المَدَرِ فينهدِمُ والرجلُ منهم حيٌّ، فلَمّا رأوْا ذلك اتَّخذوا من الجبال بيوتًا، فنحَتوها، وجابوها، وخرَقوها، وكانوا في سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالحُ، ادع لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا آيةً نعلمُ أنّك رسولُ الله. فدعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يومًا، وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبها خَلَّوا عنها وعن الماء، وحلَبوها لبنًا، ملَئوا كل إناء ووعاء وسِقاء، حتى إذا كان يوم شِرْبِهم صرَفوها عن الماء، فلم تشرَبْ منه شيئًا، فملَئوا كل إناء ووعاء وسقاءٍ، فأوحى الله إلى صالح: إنّ قومَك سيَعِقرون ناقتَك. فقال لهم، فقالوا: ما كُنّا لِنفعل. فقال: إلّا تَعْقِروها أنتم يوشِكُ أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقِرُها. قالوا: فما علامة ذلك المولود، فواللهِ، لا نجِدُه إلّا قتَلْناه؟ قال: فإنّه غلامٌ أشقر، أزرق، أصهبُ، أحمرُ. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابنٌ يُرغَبُ به عن المناكح، وللآخر ابنةٌ لا يَجِدُ لها كُفْئًا، فجَمع بينهما مجلسٌ، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك؟ قال: لا أجِدُ له كُفْئًا. قال: فإنّ ابنتي كُفْؤٌ له، فأنا أُزَوِّجُك. فزوَّجه، فوُلِد بينهما ذلك المولودُ، وكان في المدينة ثمانيةُ رهطٍ يُفْسدون في الأرض ولا يُصلِحون، فلمّا قال لهم صالحٌ: إنّما يعقِرُها مولودٌ فيكم. اختاروا ثماني نسوةٍ قوابلَ مِن القرية، وجعلوا مَعَهُنَّ شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجَدوا المرأة تُمْخَضُ نظروا ما ولدُها؛ إن كان غلامًا قلَبْنه، فنظرْن ما هو، وإن كانت جاريةً أعرضْنَ عنها، فلمّا وجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذي يريدُ رسولُ الله صالحٌ. فأراد الشُّرَطُ أن يأخذوه، فحال جَدّاه بينهم وبينه، وقالا: لو أنّ صالحًا أراد هذا قتَلْناه. فكان شرَّ مولودٍ، وكان يَشِبُّ في اليوم شبابَ غيره في الجمعة، ويَشِبُّ في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويَشِبُّ في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتَمَع الثمانيةُ الذين يُفْسِدون في الأرض ولا يُصْلِحون وفيهم الشيخانِ، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلتِه وشرفِ جَدَّيه. فكانوا تسعةً، وكان صالحٌ لا ينامُ معهم في القرية، كان يَبِيتُ في مسجده، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظهم، وذكَّرهم، وإذا أمسى خرَج إلى مسجدِه، فبات فيه». قال حجاجٌ: وقال ابن جريج: لَمّا قال لهم صالحٌ: إنه سيولدُ غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يديه. قالوا: فكيف تأمُرُنا؟ قال: آمُرُكم بقتلِهم. فقتلوهم إلا واحدًا، قال: فلما بلغ ذلك المولودُ قالوا: لو كُنّا لم نقتُلْ أولادنا لكان لكلِّ رجلٍ منا مِثلُ هذا، هذا عملُ صالحٍ. فائتمروا بينهم بقتلِه، وقالوا: نَخرُجُ مسافرين، والناسُ يروننا علانيةً، ثم نرجِعُ مِن ليلة كذا مِن شهر كذا وكذا، فنرصُدُه عند مُصلّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنّا مسافرون كما نحن. فأقْبَلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصُدُونه، فأرسل الله عليهم الصخرةَ، فرضَخَتْهم، فأصبَحوا رَضْخًا، فانطلق رجالٌ مِمَّن قدِ اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضْخٌ، فرجَعوا يصيحون في القرية: أيْ عبادَ الله، أما رَضِي صالحٌ أن أمَرهم أن يقتُلوا أولادَهم حتى قتَلهم. فاجْتَمع أهلُ القرية على قتل الناقة أجمعون، وأحجَموا عنها إلا ذلك ابن العاشر. ثم رجَع الحديثُ إلى حديث رسول الله ﷺ، قال: «وأرادوا أن يمكُروا بصالحٍ، فمَشَوا حتى أتوا على سَرَبٍ على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانيةٌ، وقالوا: إذا خرج علينا قتلْناه، وأتينا أهلَه فبيَّتْناهم. فأمر الله الأرضَ فاسْتَوَتْ عليهم، فاجتمعوا، ومشوا إلى الناقة وهي على حوضِها قائمةٌ، فقال الشقيُّ لأحدِهم: ائْتِها فاعْقِرْها. فأتاها، فتعاظَمه ذلك، فأضرَب عن ذلك، فبعَث آخر، فأعظَمه ذلك، فجعَل لا يبعثُ رجلًا إلّا تعاظَمه أمرُها، حتى مشى إليها، وتطاول، فضرَب عُرْقوبَيْها، فوقَعت تركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا، فقال: أدْرِكِ الناقة؛ فقد عُقِرت. فأقبَل، وخرجوا يتلقَّونه، ويَعْتذرون إليه: يا نبيَّ الله، إنّما عقَرها فلانٌ، إنّه لا ذنبَ لنا. قال: فانظُروا هل تُدْرِكون فصيلَها؟ فإن أدْرَكتُموه فعسى الله أن يرفَعَ عنكم العذاب. فخرَجوا يطلُبونه، ولما رأى الفصيلُ أمَّه تضطربُ أتى جبلًا -يُقال له: القارةُ- قصيرًا، فصَعِد، وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تنالُه الطيرُ، ودخل صالحٌ القرية، فلمّا رآه الفصيلُ بكى حتى سالت دموعُه، ثم استقبَل صالحًا، فرغا رغوةً، ثم رغا أُخرى، ثم رغا أُخرى، فقال صالحٌ لقومه: لكلِّ رغوةٍ أجلُ يوم؛ فتَمَتَّعوا في دارِكم ثلاثة أيام، ﴿ذلك وعدٌ غيرُ مكذوبٍ﴾ [هود:٦٥]. ألا إنّ آية العذاب أنّ اليوم الأول تُصبحُ وجوهُكم مُصْفَرَّةً، واليوم الثاني محمرَّةً، واليوم الثالث مُسْوَدَّةً، فلمّا أصبَحوا إذا وجوهُهم كأنها قد طُلِيت بالخَلُوقِ؛ صغيرُهم وكبيرهم، ذكرُهم وأنثاهم، فلما أمسَوا صاحوا بأجمعِهم: ألا قد مضى يومٌ مِن الأجل، وحضَركم العذابُ. فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوهُهم مُحْمَرَّةٌ، كأنّها خُضِبت بالدماءِ، فصاحوا، وضجُّوا، وبكَوا، وعرفوا أنّه العذاب، فلمّا أمسَوا صاحوا بأجمعِهم: ألا قد مضى يومان من الأجل، وحضَركم العذابُ. فلمّا أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مُسْوَدَّةٌ، كأنها طُلِيتْ بالقار، فصاحوا جميعًا: ألا قد حضَركم العذاب. فتكفَّنوا، وتحنَّطوا، وكان حنوطهم الصَّبرَ والمَغَرَ، وكانت أكفانهم الأنطاعَ، ثم ألقوا أنفسَهم بالأرض، فجعلوا يُقَلِّبون أبصارَهم، فينظُرون إلى السماء مرَّة، وإلى الأرض مرَّة، فلا يَدْرون مِن أين يأتيهمُ العذاب؛ مِن فوقهم مِن السماء، أم من تحتِ أرجلِهم مِن الأرض، خسفًا أو قَذْفًا، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتَتْهم صيحةٌ من السماء، فيها صوتُ كُلِّ صاعقةٍ، وصوتُ كلِّ شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطَّعت قلوبُهم في صدورِهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين»

سورة الإنشقاق — الآية ٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فَأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو عبد الله بن عبد الأسد، ويُكنى: أبا سلمة، ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ باليسير؛ بأنّ الله لا يُغيّر حسناته ولا يفضحه، وذلك أنّ الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة فإنهم يموج بعضُهم في بعض مقدارَ ثلاثمائة سنة، حتى إذا استوى الرّبُّ -جلّ وعزّ- على كرسيّه لِيُحاسب خَلْقه، فإذا جاء الرّبُّ -تبارك وتعالى- والملائكةُ صفًّا صفًّا، فينظرون إلى الجنة وإلى النار، ويُجاء بالنار من مسيرة خمسمائة عام، عليها تسعون ألف زمام، في كلّ زمام سبعون ألف ملك متعلّق، يحبسونها عن الخلائق، طول عنق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة، ما بين مَنكِبي أحدهم مسيرة خمسين سنة، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البَرق، إذا تَكلّم أحدهم تناثرتْ مِن فِيه النار، بيد كلّ واحد منهم مرزبة، عليها ثلاثمائة وستون رأسًا كأمثال الجبال، هي أخفّ بيده مِن الريشة، فيجيئون بها، فيسوقونها حتى تقام عن يسار العرش، ويجاء بالجنة يزفونها كما تُزَفُّ العروس إلى زوجها حتى تقام عن يمين العرش، فإذا ما عاين الخلائقُ النارَ، وما أعدّ الله لأهلها، ونظروا إلى ربّهم، وسكتوا؛ فانقطعتْ عند ذلك أصواتهم، فلا يَتكلّم أحدٌ مِنهم مِن فَرَق الله وعظمته، ولما يرون مِن العجائب مِن الملائكة، ومن حملة العرش، ومن أهل السموات، ومن جهنم، ومن خزنتها، فانقطعتْ أصواتهم عند ذلك، وتَرتعد مفاصلهم، فإذا علم الله ما أصاب أولياءَه مِن الخوف، وبلغت القلوب الحناجر، فيقوم منادٍ عن يمين العرش، فينادي: ﴿يا عِبادِ، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، فيرفع عند ذلك الإنس والجنّ كلُّهم رؤوسَهم والمؤمنون والكفار؛ لأنهم عباده كلّهم، ثم ينادي في الثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، فيَرفع المؤمنون رؤوسَهم، وينكس أهل الأديان كلّهم رؤوسهم، والناس سكوت مقدار أربعين عامًا، فذلك قوله: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦]، وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ:٣٨]؛ وقال: لا إله إلا الله؛ فذلك الصواب، وقوله: ﴿وخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، فلا يجيبهم الله، ولا يُكلّمهم، ولا يتكلمون هم مقدار أربعين سنة، يقول بعد ذلك لمَلكٍ من الملائكة وهو جبريل عليه السلام: نادِ الرسل، وابدأ بالأُمِّي. قال: فيقوم المَلك، فينادي عند ذلك: أين النَّبِي الأُمِّي؟ فتقول الأنبياء عند ذلك: كلّنا نبيّون وأُمّيون؛ فبيِّن بيِّن. فيقول: النبي العربي الأُمّي الحرمي، فيقوم عند ذلك رسول الله ﷺ، فيرفع صوته بالدعاء، فيقول: كم مِن ذنب قد عملتموه ونسيتموه وقد أحصاه الله! ربِّ، لا تفضح أمتي. قال: فلا يزال يدنو مِن الله تعالى حتى يقوم بين يديه؛ أقرب خَلْقه إليه، فيحمد الله، ويثني عليه، ويذكر من الثناء على الله تعالى والحمد حتى تعجب الملائكة منه والخلائق، فيقول الله عز وجل: قد رضيتُ عنك، يا محمد، اذهب فنادِ أُمّتك. فينادي، وأول ما يدعو يدعو مِن أُمّته عبد الله بن عبد الأسد أبا سلمة، فلا يزال يدنو، فيقرّبه الله عز وجل منه، فيحاسبه حسابًا يسيرًا، واليسير الذي لا يأخذه بالذنب الذي عمله، ولا يغضب الله عز وجل عليه، فيجعل سيئاته داخل صحيفته، وحسناته ظاهر صحيفته، فيوضع على رأسه التاج مِن ذَهَبٍ عليه تسعون ألف ذؤابة، كلّ ذؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، ويلبس سبعين حُلّة مِن الإستبرق والسندس، فالذي يلي جسده حريرة بيضاء، فذلك قوله: ﴿ولِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣، فاطر:٣٣]، ويُسوَّر بثلاث أسْوِرة: سوار من فِضّة، وسوار من ذهب، وسوار من لؤلؤ، ويوضع إكليل مُكلّل بالدُّرّ والياقوت، وقد تلألأ في وجهه مِن نور ذلك، فيرجع إلى إخوانه من المؤمنين، فينظرون إليه وهو جاءٍ مِن عند الله، فتقول الملائكة والناس والجنّ: واللهِ، لقد أكرم الله هذا، لقد أعطى الله لهذا. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته باطن صحيفته، وإذا حسناته ظاهر كتابه، فتقول عند ذلك الملائكة: ما كان أذنب هذا الآدميُّ ذنبًا قط! واللهِ، لقد اتّقى اللهَ هذا العبدُ، فحُقّ أن يكرم مثل هذا العبد. وهم لا يشعرون أنّ سيئاته باطن كتابه، وذلك لمن أراد الله تعالى أن يُكرمه ولا يفضحه، قال: فيأتي إخوانَه من المسلمين، فلا يعرفونه، فيقول: أتعرفوني؟ فيقولون كلّهم: لا، واللهِ. فيقول: إنما برحتُ الساعة، وقد نسيتموني. فيقول: أنا أبو سلمة، أبشِروا بمثله، يا معشر الإخوان، لقد حاسَبني ربي حسابًا يسيرًا، وأكرمني. فذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ يقول إلى قومه: ﴿مَسْرُورًا﴾ فيُعطى كتابه بيمينه، ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى آخر القصة

سورة القلم — الآية ٤٢

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «يَجمع الله الناس يوم القيامة، ويَنزل الله في ظُلل من الغمام، فيُنادي منادٍ: يا أيها الناس، ألم تَرضَوا من ربكم الذي خَلَقكم وصوَّركم ورزقكم أن يُولِيّ كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويَتولّى، أليس ذلك مِن ربكم عَدلًا؟ قالوا: بلى. قال: فليَنطلِق كلُّ إنسان منكم إلى ما كان يَتولّى في الدنيا. ويَتمثّل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عُزَير، حتى يُمثَّل لهم الشجرة والعُود والحَجر، ويَبقى أهل الإسلام جُثومًا، فيَتمثَّل لهم الرّبّ عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تَنطلِقوا كما انطَلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فبِم تَعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة؛ إن رأيناه عَرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يَكشف عن ساق. فيَكشف عند ذلك عن ساقٍ، فيَخرّ كلُّ مَن كان يَسجد طائعًا ساجدًا، ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصِيّ البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيَرفعون رؤوسهم، فيُعطَون نورهم على قدْر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم مَن يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم مَن يُعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم مَن يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك مَن يُعطى نوره على إبهام قَدميه، يضيء مرة ويُطفِئ مرة، فإذا أضاء قَدّم قدمه، وإذا طُفئ قام فيَمُرّ، ويَمُرُّون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دَحْض مَزَلَّة، فيقال لهم: انجُوا على قدْر نوركم. فمنهم مَن يَمُرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم مَن يَمُرّ كالطّرف، ومنهم مَن يَمُرّ كالريح، ومنهم مَن يَمُرّ كشدّ الرَّحل ويَرمُل رَمَلًا، يَمُرّون على قدْر أعمالهم، حتى يَمُرّ الذي نوره على إبهام قدمه؛ يَجُرّ يدًا ويُعلّق يدًا، ويَجُرّ رِجلًا ويُعلّق رِجلًا، وتُصيب جوانبه النار، فيَخلُصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجّانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدًا. فيَنطلِقون إلى ضَحْضاح عند باب الجنة، فيَغتسِلون، فيعود إليهم ريحُ أهل الجنة وألوانهم، ويَرون من خَلَلِ باب الجنة وهو مُصْفَقٌ منزلًا في أدنى الجنة، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نَجّيتكم من النار؟! فيقولون: ربّنا، أعطِنا، اجعل بيننا وبين النار هذا الباب، لا نَسمع حَسيسها. فيقول لهم: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال: فيَدخلون الجنة، ويُرفع لهم منزلٌ أمام ذلك كأن الذي رَأوا قبل ذلك حُلْمٌ عنده، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أعطيتكموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟! فيُعطَونه، ثم يُرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي أُعطوه قبل ذلك حُلْمٌ عند الذي رَأوا، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل أحسن منه؟! ثم يَسكتون، فيقال لهم: ما لكم لا تَسألون؟ فيقولون: ربّنا، قد سألناك حتى استحيينا. فيقال لهم: ألم تَرضَوا أنْ أُعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خَلَقتُها إلى يوم أفنيتُها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت ربّ العالمين؟!». قال مسروق: فلمّا بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث ضحك، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّثه مرارًا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تَبدوَ لهَواتُه، ويَبدوَ آخر ضِرس مِن أضراسه لقول الإنسان، قال: «فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فسلوني. قالوا: ربّنا، ألحِقنا بالناس. فيقال لهم: الحقُوا الناس. فينطَلِقون يَرْمُلون في الجنة، حتى يَبدوُ للرجل منهم في الجنة قصر؛ دُرّة مُجَوّفة، فيَخِرّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك. فيَرفع رأسه، فيقول: رأيتُ ربي! فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك. فيَنطلِق، فيستقبله رجل، فيَتهيّأ للسجود، فيُقال له: ما لك؟ فيقول: رأيتُ مَلكًا! فيقال له: إنما ذلك قَهْرمان من قهارمتكَ، عبد من عبيدك. فيأتيه، فيقول: إنما أنا قَهْرمان من قهارمتكَ على هذا القصر، تحت يدي ألف قَهْرمان، كلّهم على ما أنا عليه. فيَنطلِق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة، سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر، فتستقبله جوهرة خضراء مُبطّنة بحمراء سبعون ذراعًا فيها ستون بابًا، كلّ باب يُفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كلّ جوهرة سُررٌ وأزواج ونصائف، أو قال: ووصائف. فيَدخل فيه، فإذا هو بحَوْراء عَيناء عليها سبعون حُلّة، يُرى مخ ساقها من وراء حُلَلها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفًا. ويقول لها مثل ذلك. قال: فيُشرف على مُلكه مَدّ بصره، مسيرة مائة عام». قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع -يا كعب- ما يُحدّثنا به ابن أُمّ عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ، إنّ الله كان فوق العرش والماء، فخَلَق لنفسه دارًا بيده، فزيَّنها بما شاء، وجَعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقَها، فلم يَرها أحد من خَلْقه منذ خَلَقها، لا جبريل ولا غيره من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة:١٧]. وخَلَق دون ذلك جَنّتين، فزيّنهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذَكر من الحرير والسُّندس والإسْتَبرق، وأراهما مَن شاء من خَلْقه من الملائكة، فمَن كان كتابه في عِلّيّين نَزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عِلّيّين في مُلكه لم يَبق خَيمة من خِيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليَستنشِقون ريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطّيّبة. ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عِلّيّين. فقال عمر: ويحك -يا كعب- إنّ هذه القلوب قد استَرسلتْ، فاقْبضها. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إنّ لِجهنم زَفرةً ما من مَلك ولا نبي إلا يَخرّ لرُكْبته، حتى يقول إبراهيم خليل الله: ربّ، نفسي نفسي. وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لَظننتَ أن لن تَنجو منها

سورة المائدة — الآية ٨٢

عن سلمان قال: كنتُ يتيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكان ابنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يختلفُ إلى مُعلِّمٍ يُعَلِّمُه، فلَزِمتُه لأكونَ في كَنَفِه، وكان لي أخٌ أكبرُ مِنِّي، وكان مُسْتَغْنِيًا في نفسِه، وكنتُ غلامًا فقيرًا، فكان إذا قامَ مِن مجلسِه تَفَرَّقَ مَن يُحَفِّظُه، فإذا تَفرَّقوا خرَج فتَقَنَّع بثوبِه، ثم صَعِد الجبل، فكان يفعلُ ذلك غيرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا. قال: فقلتُ: أما إنك تفعلُ كذا وكذا، فلِمَ لا تذهَبُ بي معك؟ قال: أنت غلامٌ، وأخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ. قال: قلتُ: لا تَخَفْ. قال: فإنّ في هذا الجبل قومًا في بِرْطِيل، لهم عبادةٌ وصلاحٌ، يَذْكُرون الله عز وجل، ويذكرون الآخرة، يزعُمون أنّا عَبَدة النِّيران، وعَبَدة الأوثان، وأنّا على غير دين. قلتُ: فاذهَبْ بي معك إليهم. قال: لا أقدِرُ على ذلك حتى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ فيَعْلمَ أبي، فيَقْتُلَ القومَ، فيَجْرِيَ هَلاكُهم على يَدَيَّ. قال: قلتُ: لم يظهَرْ منِّي ذلك. فاسْتأمَرَهم، فقال: غلام عندي يتيم، فأُحِبُّ أن يأتِيَكم، ويسمعَ كلامَكم. قالوا: إن كنتَ تَثِقُ به. قال: أرجو ألا يجيءَ منه إلا ما أُحِبُّ. قالوا: فجئْ به. فقال لي: قد استأذَنتُ القومَ أن تَجِيءَ معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتَني أخرجُ فيها فأْتِني، ولا يعلمُ بك أحدٌ، فإنّ أبي إن علِم قَتَلَهم. قال: فلما كانت الساعة التي يخرُجُ تَبِعْتُه، فصَعِد الجبل، فانتَهَينا إليهم، فإذا هم في بِرطِيلِهم -قال علي: وأُراه قال: هم ستةٌ أو سبعةٌ- قال: وكأنّ الروحَ قد خرَجت منهم مِن العبادة، يصومون النهار، ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى ابن الدِّهْقان عليَّ خيرًا، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا الله، وأثْنَوا عليه، وذكَروا مَن مَضى مِن الرسل والأنبياء، حتى خَلَصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا: بعَثه الله، ووُلد بغير ذَكَر، بعَثه الله رسولًا، وسخَّر له ما كان يفعلُ مِن إحياء الموتى، وخَلْقِ الطير، وإبراء الأعمى والأبرص، فكفَر به قومٌ وتَبِعه قومٌ، وإنما كان عبدَ الله ورسولَه، ابْتَلى به خلقَه. قال: وقالوا قبلَ ذلك: يا غلامُ، إن لك ربًّا، وإن لك معادًا، وإن بينَ يَدَيْك جنةً ونارًا، إليها تَصِيرُ، وإن هؤلاء القومَ الذين يعبُدون النيران أهلُ كفرٍ وضلالة، لا يَرْضى الله بما يَصْنَعون، وليسوا على دين. فلما حَضَرت الساعةُ التي ينصرفُ فيها الغلام انصَرَف وانصَرَفْتُ معه، ثم غَدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسنَ، فلَزِمْتُهم، فقالوا: يا سلمان، إنك غلام، وإنك لا تستطيعُ أن تصنعَ كما نصنع، فكُلْ واشرَبْ، وصَلِّ ونَمْ. قال: فاطَّلَع الملك على صنيع ابنِه، فرَكِب الخيل حتى أتاهم في بِرْطِيلِهم، فقال: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحْسَنْتُ جوارَكم، ولم تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فعَمَدْتم إلى ابني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثلاثًا؛ فإن قَدَرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحْرَقْتُ عليكم بِرْطِيلَكم هذا، فالحَقُوا ببلادكم، فإني أكرَهُ أن يكونَ مني إليكم سُوءٌ. قالوا: نعم، ما تَعَمَّدنا مَساءَتَك، ولا أرَدْنا إلا الخير. فكَفَّ ابنُه عن إتْيانِهم، فقلتُ له: اتَّقِ الله، فإنك تعرِفُ أن هذا الدينَ دينُ الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عَبَدةُ النيران لا يَعْرِفون الله، فلا تَبِعْ آخرِتَك بدُنْيا غيرِك. قال: يا سلمان، هو كما تقولُ، وإنما أتخلَّفُ عن القوم بُقْيا عليهم، إن اتَّبَعْتُ القوم يطلُبُني أبي في الخيل، وقد جَزِع مِن إتْياني إياهم حتى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أن الحقَّ في أيدِيهم. قلتُ: أنت أعلم. ثم لَقيتُ أخي فعَرَضْتُ عليه، فقال: أنا مُشْتغِلٌ بنفسي في طلب المعيشة. فأتَيتُهم في اليوم الذي أرادوا أن يَرتَحلِوا فيه، فقالوا: يا سلمان، قد كُنّا نَحْذَرُ، فكان ما رأيتَ، اتَّقِ الله، واعلمْ أن الدينَ ما أوْصَيناك به، وإن هؤلاء عبدةُ النيران، لا يَعْرِفون الله ولا يذكُرونه، فلا يَخْدَعَنَّك أحدٌ عن ذلك. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قالوا: إنك لا تَقْدِرُ على أن تكونَ معنا، نحن نصومُ النهار، ونقومُ الليل، ونأكُلُ الشجرَ وما أصَبْنا، وأنت لا تستطيعُ ذلك. قال: قلتُ: لا أُفارقُكم. قالوا: أنت أعلمُ، قد أعلمناك حالَنا، فإذا أبيْتَ فاطلبْ أحدًا يكونُ معك، واحمِلْ معك شيئًا تأكُلُه، فإنك لا تستطيعُ ما نستطيعُ نحن. قال: ففَعَلْتُ ولَقِيتُ أخي، فعَرَضْتُ عليه، فأبى، فأتَيتُهم فتَحَمَّلوا، فكانوا يَمْشون وأمشِي معهم، فرَزَقَنا الله السلامة حتى قدِمنا المَوْصِلَ، فأتَينا بِيعةً بالموْصِلِ، فلما دَخلوا حَفَوا بهم، وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كُنّا في بلادٍ لا يذكُرون الله، بها عبدةُ نيرانٍ فطَرَدُونا، فقَدِمْنا عليكم. فلما كان بعدُ قالوا: يا سلمان، إن هاهنا قومًا في هذه الجبال هم أهلُ دينٍ، وإنا نريدُ لقاءَهم، فكَنْ أنت هاهنا مع هؤلاء، فإنهم أهلُ دينٍ وسَتَرى منهم ما تحِبُّ. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قال: وأَوْصَوا بي أهلَ البيعة، فقال أهل دين البيعة: أقِمْ معنا، فانه لا يُعجزُك شيءٌ يسَعُنا. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. فخرَجوا وأنا معهم، فأصْبَحنا بينَ جبال، فإذا صخرةٌ وماءٌ كثيرٌ في جِرارٍ وخبزٌ كثير، فقَعَدْنا عند الصخرة، فلما طَلَعَت الشمسُ خرَجوا مِن بين تلك الجبال، يخرُجُ رجلٌ رجلٌ مِن مكانِه، كأنّ الأرواحَ انتُزِعَت منهم، حتى كَثُروا، فرَحَّبوا بهم وحَفَوا، وقالوا: أين كنتُم، لم نَرَكم؟ قالوا: كُنّا في بلاد لا يذكرون اسم الله، فيها عَبَدةُ النيران، وكُنّا نعبُدُ الله فيها، فطَرَدونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ قالوا: فطَفِقوا يُثْنُونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البلاد، فلم نَرَ منه إلا خيرًا. قال: فواللهِ، إنهم لكذا إذ طَلَع عليهم رجلٌ مِن كهف؛ رجلٌ طُوالٌ، فجاء حتى سَلَّم وجلَس، فَحفَوا به وعَظَّموه أصحابي الذين كنتُ معهم وأحْدَقوا به، فقال لهم: أين كنتُم؟ فأخبَروه، فقال: ما هذا الغلامُ معكم؟ فأثْنَوا عليَّ خيرًا، وأخبَروه باتِّباعي إياهم، ولم أرَ مِثْلَ إعْظامِهم إياه، فحَمِد الله، وأثْنى عليه، ثم ذكَر مَن أرسَل الله مِن رُسُلِه وأنبيائِه، وما لَقُوا، وما صُنِع بهم، حتى ذكَر مولدَ عيسى ابن مريم، وأنه وُلِد بغير ذَكر، فبعَثه اللهُ رسولًا، وأجرى على يدَيه إحياء الموتى، وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلُقُ مِن الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذن الله، وأنزَل عليه الإنجيل، وعلَّمه التوراة، وبعَثه رسولًا إلى بني إسرائيل، فكفَر به قومٌ، وآمَن به قوم، وذكَر بعضَ ما لَقِي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبدًا أنعَم الله عليه، فشكَر ذلك له، ورَضِي عنه، حتى قَبَضه الله، وهو يَعِظُمهم ويقولُ: اتقوا الله، والزَموا ما جاء به عيسى، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم. ثم قال: مَن أراد أن يأخُذَ مِن هذا شيئًا فليَأخُذ. فجعَل الرجلُ يقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ مِن الماء والطعام والشيء، فقام إليه أصحابي الذين جئتُ معهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، فقال لهم: الزَموا هذا الدينَ، وإياكم أن تَفَرَّقُوا، واسْتَوصُوا بهذا الغلامِ خيرًا. وقال لي: يا غلام، هذا دينُ اللهِ الذي تسمعُني أقولُه، وما سِواه هو الكفر. قال: قلتُ: ما أُفارِقُك. قال: إنك لن تستطيعَ أن تكونَ معي، إني لا أخرُجُ من كَهْفي هذا إلا كلَّ يوم أحَد، لا تقدرُ على الكينونة معي. قال: وأقبَل على أصحابِه، فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيعُ أن تكونَ معه. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا غلام، فإني أُعْلِمُك الآنَ أني أدخُلُ هذا الكهف ولا أخرُجُ منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال له أصحابُه: يا فلان، هذا غلامٌ ونخافُ عليه. قال: قال لي: أنت أعلم. قلتُ: إني لا أُفارِقُك. فبَكى أصحابي الأوَّلون الذين كنتُ معهم عندَ فراقِهم إيّاي، فقال: خُذْ مِن هذا الطعامِ ما تَرى أنه يَكْفِيك إلى الأحدِ الآخر، وخُذْ مِن هذا الماء ما تَكْتَفي به. ففعلتُ، وتفرَّقوا، وذهَب كلُّ إنسانٍ إلى مكانِه الذي يكونُ فيه، وتَبِعتُه حتى دخَل الكهف في الجبل، فقال: ضَعْ ما معك وكُلْ واشرَبْ. وقام يُصَلِّي، فقُمْتُ معه أُصلِّي. قال: فانْفَتَل إليَّ، وقال: إنك لا تستطيعُ هذا، ولكن صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ففعلتُ، فما رأيتُه نائمًا ولا طاعمًا إلا راكعًا وساجدًا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا قال: خُذْ جَرَّتَك هذه، وانطلِق. فخرَجْتُ معه أتْبَعُه حتى انتَهَينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خَرَجوا مِن تلك الجبال، واجْتَمعوا إلى الصخرة ينتظرون خُرُوجَه، فقعَدوا وجادَ في حديثه نحو المرة الأولى، فقال: الزَموا هذا الدينَ، ولا تَفَرَّقوا، واتقوا الله، واعلَموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله، أنعَم الله عليه. ثم ذكَرُوني فقالوا: يا فلان، كيف وجَدْتَ هذا الغلام؟ فأثْنى عليَّ، وقال خيرًا، فحَمِدوا الله، وإذا خبزٌ كثيرٌ وماء فأخذوا، وجعل الرجل يأخُذ بقَدْر ما يَكتَفي به، ففعلتُ، وتَفَرَّقوا في تلك الجبال، ورجَع إلى كهفه، ورجعتُ معه، فلَبِثَ ما شاء الله، يخرُجُ في كلِّ يوم أحد، ويخرُجون معه، ويُوصِيهم بما كان يُوصِيهم به، فخرَج في أحد، فلما اجتمعوا حمِد الله ووعظهم، وقال مثلَ ماكان يقولُ لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، إني قد كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، واقترب أجلي، وإنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وإني رأيتُه لا بأس به. فجَزِع القوم، فما رأيتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا أبا فلان، أنت كبير، وأنت وحدك، ولا نأمنُ أن يُصيبَك الشيء، ولسنا أحوجَ ما كُنا إليك. قال: لا تُراجِعوني، لا بد لي من إتيانه، ولكن اسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وافعَلوا وافعَلوا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا سلمان، قد رأيتَ حالي وماكنتُ عليه، وليس هذا كذلك، إنما أمْشِي، أصومُ النهار، وأقومُ الليل، ولا أستطيعُ أن أحمِلَ معي زادًا ولا غيره، ولا تقدِرُ على هذا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: أنت أعلم. قالوا: يا أبا فلان، إنا نخافُ عليك وعلى هذا الغلام. قال: هو أعلم، قد أعْلَمتُه الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا. قلتُ: لا أُفارِقُك. قال: فبَكوا وودَّعوه، وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتُكم به، فإن أعِشْ فلعلي أرجعُ إليكم، وإن أمُتْ فإن الله حيٌّ لا يموت. فسَلَّم عليهم وخرَج وخرَجتُ معه، وقال لي: احمِلْ معك مِن هذا الخبز شيئًا تأكُلُه. فخرَج وخرَجتُ معه، يمشي وأَتبعُه يذكر الله، ولا يلتفتُ ولا يقفُ على شيء، حتى إذا أمسى قال: يا سلمان، صَلِّ أنت ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ثم قام هو يُصَلِّي، إلى أن انتَهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفعُ طَرْفَه إلى السماء إذا أمسى، حتى انتَهَينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مُقْعَد، قال: يا عبد الله، قد ترى حالي، فتَصَدَّق عليَّ بشيء. فلم يَلْتفِتْ إليه، ودخَل المسجد ودخلتُ معه، فجعَل يَتَتبَّعُ أمكنة من المسجد يصلِّي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنَمْ منذُ كذا وكذا، ولم أجِدْ طعمَ نوم، فإن أنت جعلتَ لي أن توقِظَني إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا نمْتُ؛ فإني أحبُّ أن أنامَ في هذا المسجد، وإلا لم أنَمْ. قال: قلتُ: فإني أفعل. قال: فانظُر إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا، فأيْقِظْني إذا غَلَبَتني عيني. فنامَ، فقلتُ في نفسي: هذا لم يَنَمْ منذ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعضَ ذلك، لأَدَعَنَّه ينام حتى يَشْتَفي من النوم. وكان فيما يمشي وأنا معه، يُقْبِلُ عليَّ، فيَعِظُني ويُخبِرُني أن لي ربًّا، وأن بين يديَّ جنةً ونارًا وحسابًا، ويُعْلِمُني بذلك ويُذَكِّرُني نحوَ ما كان يذكِّرُ القوم يوم الأحد، حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان، إن الله تعالى سوف يبعثُ رسولًا اسمه أحمد، يخرجُ بتِهامةَ -وكان رجلًا أعجميًّا لا يُحْسِنُ أن يقولَ: تِهامَةُ. ولا: محمد-، علامتُه أنه يأكلُ الهدية، ولا يأكُلُ الصدقة، بينَ كَتِفَيه خاتم، وهذا زمانُه الذي يخرجُ فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسَبُني أُدْرِكُه، فإن أدْرَكْتَه أنت فصدِّقْه واتَّبِعْه. قلتُ: وإن أمَرَني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: وإن أمَرك، فإن الحق فيما يَجِيءُ به، ورضا الرحمن فيما قال. فلم يَمْضِ إلا يسير حتى استيقظ فزعًا يذكُرُ الله، فقال: يا سلمان، مضى الفَيْءُ من هذا المكان ولم أذكُرِ الله، أين ما جعلتَ لي على نفسك؟ قال: قلتُ: أخْبَرتَني أنك لم تَنَم منذُ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعض ذلك، فأحْبَبْتُ أن تَشْتَفيَ من النوم. فحمِد الله، وقام فخرَج فتَبِعْتُه، فقال المُقْعَدُ: يا عبدَ الله، دخَلتَ فسألتُك فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألتُك فلم تُعْطِني. فقام ينظُرُ هل يَرى أحدًا، فلم يَرَه، فدَنا منه فقال: ناوِلْني يدَك. فناوَلَه، فقال: قُمْ باسم الله. فقامَ كأنه نَشِط من عِقال، صحيحًا لا عيبَ فيه، فخلّى عن يدِه، فانطَلَق ذاهبًا، وكان لا يَلْوِي على أحد، ولا يقومُ عليه، فقال لي المُقْعَدُ: يا غلام، احمِلْ عليَّ ثيابي حتى أنْطِلقَ وأُبشِّرَ أهلي. فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَق لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْره أطْلُبُه، وكلما سألتُ عنه قالوا: أمامك. حتى لَقِيني الركبُ من كَلْب، فسألتُهم، فلما سَمِعوا لُغَتِي أناخ رجل منهم بعيره، فحمَلني فجعلني خلفه حتى أتَوا بي بلادهم. قال: فباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها، وقدِم رسول الله ﷺ فأُخْبِرتُ به، فأخَذْتُ شيئًا من تمر حائطي، فجعلتُه على شيء، ثم أتَيتُه فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوضَعْتُه بينَ يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: صدقة. فقال للقوم: «كُلُوا». ولم يأكُل هو، ثم لَبِثتُ ما شاء الله، ثم أخذتُ مثل ذلك، فجعَلتُه على شيء، ثم أتَيتُه، فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوَضَعتُه بين يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: هدية. قال: «باسم الله». فأكَل وأكَل القوم. قال: قلتُ في نفسي: هذه من آياته، كان صاحبي رجلًا أعجميًّا لم يُحْسِنْ أن يقولَ: تهامةُ، قال: تِهْمةُ. وقال: أحمد. فدُرْتُ خلفَه، ففَطِن لي فأَرخى ثوبه، فإذا الخاتم في ناحية كتفِه الأيسر، فتَبَيَّنْتُه، ثم دُرْتُ حتى جَلَسْتُ بين يديه، فقلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: «مَن أنت؟». قلتُ: مملوك. فحدَّثْتُه بحديثي وحديث الرجل الذي كنتُ معه، وما أمرني به، قال: «لمَن أنت؟». قلتُ: لامرأة من الأنصار، جعلتني في حائط لها. قال: «يا أبا بكر». قال: لبَّيك. قال: «اشْتَرِه». قال: فاشتراني أبو بكر، فأعتقني، فلبثتُ ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيتُه فسَلَّمتُ عليه، وقعدتُ بين يديه، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقولُ في دين النصارى؟ قال: «لا خير فيهم ولا في دينهم». فدَخَلني أمر عظيم، فقلتُ في نفسي: هذا الذي كنتُ معه، ورأيتُ منه ما رأيتُ، أخذ بيد المقْعَد فأقامَه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم! فانصرفتُ وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعدُ على النبيّ ﷺ: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال النَّبِيّ ﷺ: «عليَّ بسلمان». فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئتُ حتى قعدتُ بين يديه، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال: «يا سلمان، أولئك الذين كنتَ معهم وصاحبُك، لم يكونوا نصارى، إنما كانوا مسلمين». فقلتُ: يا رسول الله، فوالذي بعَثك بالحق، لقد أمرني باتِّباعك، فقلتُ له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتْركُه؟ قال: نعم، فاتركه، فإن الحق وما يحبُ الله فيما يأمرُك

سورة النمل — الآية ٤٤

قال وهب بن مُنَبِّه وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساوِر مِن ذهب، وفي أعناقهم أطْواقًا مِن ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشُنوفًا مُرَصَّعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رَمَكَة، والغلمان على خمسمائة بِرْذَون، على كل فرس لِجام مِن ذهب مُرَصَّع بالجواهر وغواشيها مِن الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لَبِنة مِن ذهب وخمسمائة لبنة مِن فضة، وتاجًا مُكَلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المِسْكَ والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حُقَّةٍ فجعلت فيها دُرَّة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلًا مِن أشراف قومها يُقال له: المنذر بن عمرو، وضمَّت إليه رجالًا مِن قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتابًا بنسخة الهدية، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا فمَيِّز بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرَّ ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة مِن غير علاج إنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلَّمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء. وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه؛ فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملِك، ولا يَهُولَنَّك منظره، فإنّا أعزُّ منه، وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم أنه نبيٌّ مُرسَل فتفَهَّم قوله، ورُدَّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان، فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لَبِنات الذهب ولَبِنات الفضة، ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا مِن موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا، شُرَفُها مِن الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب أحسن مِمّا رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله، إنا رأينا دوابًّا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصٍ. فقال: عليَّ بها الساعةَ. فأتوا بها، فقال: شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره، على لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفتها فيها. ثم قال للجن: عَلَيَّ بأولادكم. فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووُضِع له أربعةُ آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يَصْطَفُّوا صفوفًا فراسخ، وأمر الإنس فاصْطَفُّوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصْطَفُّوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلمّا دنا القومُ مِن الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تَروثُ على لبن الذهب والفضة؛ تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: أنّ سليمان لَمّا أمر بفرش الميدان بلبِنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة؛ خافوا أن يُتَّهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب، ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزوا، فلا بأس عليكم. فكانوا يمرون على كُرْدُوس كُرْدُوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرًا حسنًا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له، وأعطاه كتاب الملِكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحُقَّة؟ فأتى بها، فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحُقَّة، فقال: إنّ فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب. فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة. فقال سليمان: مَن لي بثقبها. فسأل سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم عِلْمُ ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرَضة. فجاءت الأرضة، فأخذت شعرة في فيها، فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة. فقال: لكِ ذلك. ورُوي: أنّه جاءت دودة تكون في الصَّفْصاف، فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رِزقي في الصفصاف. فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها، ودخلت الثقب، وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: مَن لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها، يا رسول الله. فأخذت الدودةُ الخيطَ في فيها، ودخلت الثقب حتى خرجت مِن الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه. قال: لك ذلك. ثم ميَّز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء مِن الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصُبُّ الماءَ على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصبُّ الماء صبًّا، وكان الغلام يَحْدِر الماء على يديه حدرًا، فمَيَّز بينهم بذلك

سورة المائدة — الآية ١١٥

عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان النهدي- قال: لما سأل الحَوارِيُّون عيسى ابنَ مريمَ المائدة كَرِه ذلك جِدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آيةً مِن ربِّكم، وإنما هَلَكَت ثمودُ حِينَ سألوا نبيهم آيةً، فابتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها. فأَبَوا إلا أن يَأتِيَهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبَوا إلا أن يَدعُوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولَبِسَ الشعَرَ الأسود، وجُبَّةً مِن شعَرٍ، وعَباءَةً مِن شعَرٍ، ثم تَوضَّأ واغتَسَل، ودخَل مُصَلّاه، فصَلّى ما شاء الله، فلمّا قضى صلاتَه قام قائِمًا مُستَقبِلَ القِبلة، وصَفَّ قَدَمَيه حتى استَوَيا، فألصَق الكعبَ بالكعب، وحاذى الأصابعَ بالأصابع، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ بصرَه، وطَأْطَأْ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسَل عَينَيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تَسيلُ على خَدَّيه، وتَقطُرُ مِن أطرافِ لحيتِه، حتى ابتَلَّتِ الأرضُ حِيالَ وجهِه مِن خشوعِه، فلمّا رأى ذلك دعا الله، فقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وآية منك﴾ أي: علامةً منك، تكونُ بينَنا وبينَك، وارزُقنا عليها طعامًا نَأكُلُه، ﴿وأنت خير الرازقين﴾. فأنزل الله عليهم سُفرَةً حَمراءَ بينَ غَمامَتَين؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرون إليها في الهواء مُنقَضَّةً مِن فَلَكِ السماء تَهوِي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشُّروطِ التي اتخَذ الله عليهم فيها؛ أنه يُعَذِّبُ مَن يَكفُرُ بها منهم بعدَ نزولها عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وهو يدعو اللهَ في مكانِه، ويقول: إلهي، اجعَلها رحمةً، إلهي، لا تَجعَلها عذابًا، إلهي، كم مِن عَجيبةٍ سَألتُك فأعطَيتَني، إلهي، اجعَلنا لك شاكِرِين، إلهي، أعُوذُ بك أن تكونَ أنزَلتَها غضبًا ورِجزًا، إلهي، اجعَلها سلامةً وعافيةً، ولا تَجعَلها فتنةً ومُثلَةً. فما زال يدعو حتى استَقَرَّتِ السُّفرةُ بينَ يدي عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه، يَجِدون رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قَطُّ، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رزقهم مِن حيث لم يَحتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرَةٍ، وأقبَلَتِ اليهود ينظُرُون، فرَأَوا أمرًا عجيبًا أورَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثم انصرفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبَل عيسى والحَوارِيُّون وأصحابُه حتى جَلَسوا حولَ السُّفرة، فإذا عليها مِندِيلٌ مُغَطًّى، قال عيسى: مَن أجرَؤُنا على كشفِ المنديلِ عن هذه السُّفرة، وأوثَقُنا بنفسِه، وأحسَنُنا بلاءً عندَ ربِّه، فَليَكشِف عن هذه الآية حتى نراها، ونَحمَدَ ربَّنا، ونَذكُرَ باسمِه، ونَأكُلَ مِن رزقِه الذي رَزَقَنا؟ فقال الحَوارِيُّون: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أنت أولانا بذلك، وأحَقُّنا بالكشف عنها. فقام عيسى، فاستَأنَف وُضُوءًا جديدًا، ثم دخَل مُصَلّاه، فصلّى بذلك رَكَعات، ثم بكى طويلًا، ودعا الله أن يأذَنَ له في الكشف عنها، ويَجعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرف، وجلس إلى السُّفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مَشوِيَّةٌ، ليس عليها بَواسِير، وليس في جَوفِها شَوكٌ، يَسيلُ السمنُ منها سَيلًا، قد نُضِّد حولَها بقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُرّاث، وعندَ رأسِها خَلٌّ، وعندَ ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ، على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الآخَر ثَمَراتٌ، وعلى الآخر خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمعون رأسُ الحَوارِيِّين لعيسى: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أمِن طعامِ الدنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تَعتَبروا بما تَرَون مِن الآيات، وتَنتَهوا عن تَنقِيرِ المسائل، ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سُوءًا، يا ابنَ الصِّدِّيقة. فقال عيسى: ليس شيءٌ ممّا تَرَون عليها مِن طعامِ الجنة، ولا مِن طعام الدنيا، إنما هو شيءٌ ابتَدَعه اللهُ في الهواءِ بالقُدرةِ الغالِبَة القاهِرَة؛ فقال له: كُن. فكان أسرعَ مِن طرفةِ عين، فكُلُوا مما سَألتُم باسم الله، واحمدُوا عليه ربَّكم، يُمِدَّكم منه ويَزِدكم، فإنه بَديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنّا نحبُّ أن تُرِيَنا آيةً في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله، أما اكتَفَيتُم بما رأَيتُم مِن هذه الآية حتى تَسأَلوا فيها آيةً أُخرى! ثم أقبَل عيسى على السمكة، فقال: يا سمكةُ، عُودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كُنتِ. فأحياها اللهُ بقُدرتِه، فاضطَرَبَت وعادت بإذنِ الله حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كما يَتَلَمَّظُ الأسد، تدُورُ عَيناها، لها بَصيصٌ، وعادت عليها بَواسِيرُها، ففَزِع القومُ منها وانحاسوا، فلمّا رأى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسأَلون الآيةَ، فإذا أراكُمُوها ربُّكم كَرِهتُمُوها؟! ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصنعون، يا سمكةُ، عُودِي بإذن الله كما كُنتِ. فعادتْ بإذن الله مشويَّةً كما كانت في خَلقِها الأول، فقالوا لعيسى: كُن أنت يا رُوحَ اللهِ الذي تَبدَأُ بالأكلِ منها، ثم نحنُ بعدُ. فقال: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يَبدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فلَمّا رأى الحَوارِيُّون وأصحابُهم امتِناعَ نبيهم منها خافوا أن يكونَ نزولها سُخطَةً، وفي أكلِها مُثلَةً، فتحامَوها، فلمّا رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزَلَها لكم؛ ليكون مَهناها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتَتِحوا أكلَكم باسم الله، واختِموه بحمدِ الله. ففعلوا، فأكل منها ألفٌ وثلاثُمائةِ إنسان، بين رجلٍ وامرأةٍ، يَصدُرون عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعان يَتَجَشَّأُ، ونظَر عيسى والحَوارِيُّون فإذا ما عليها كهيئةِ إذ نَزَلَت مِن السماء، لم يُنتَقَص منه شيءٌ، ثم إنها رُفِعَت إلى السماء وهم يَنظُرون، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ أكَل منها، وبَرِئ كلُّ زمنٍ منهم أكَل منها، فلم يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتى خرَجوا مِن الدنيا، ونَدِم الحَواريُّون وأصحابُهم الذين أبَوا أن يَأكُلوا منها نَدامةً سالت منها أشفارُهم، وبَقِيتْ حَسرتُها في قلوبِهم إلى يوم الممات. قال: فكانتِ المائدةُ إذا نَزَلَتْ بعدَ ذلك أقبَلَت بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعَون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياءُ والفقراء، والنساءُ والصِّغارُ والكِبار، والأصِحّاءُ والمرضى، يرَكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى عيسى ذلك جَعَلَها نُوَبًا بينَهم، فكانت تَنزِلُ يومًا ولا تَنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ عليهم غِبًّا عندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قالوا ارتَفَعَت عنهم بإذن الله إلى جوِّ السماء، وهم يَنظُرُون إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، فأوحى اللهُ إلى عيسى: أنِ اجعَل رزقي في المائدة لليَتامى والفقراءِ والزَّمنى، دُونَ الأغنياء مِن الناس. فلما فعَل اللهُ ذلك ارتاب بها الأغنياءُ، وغَمَصوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسِهم، وشَكَّكوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكرَ، وأدرَك الشيطانُ منهم حاجَتَه، وقذَف وسْواسَه في قلوبِ المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها مِن السماء حقٌّ؛ فإنه ارتاب بها بشرٌ منّا كثيرٌ؟ قال عيسى: هلَكتُم، وإلهِ المسيح، طَلَبتُم المائدةَ إلى نبيكم أن يَطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلما أن فعل وأنزَلَها الله عليكم رحمةً ورزقًا، وأَراكم فيها الآياتِ والعِبَر؛ كَذَّبتم بها، وشَكَكتُم فيها! فأبشِروا بالعذاب، فإنه نازِلٌ بكم إلا أن يَرحَمَكم الله. وأوحى اللهُ إلى عيسى: إنِّي آخِذٌ المكذِّبين بشَرطي، فإنِّي مُعذِّبٌ منهم مَن كفَر بالمائدةِ بعدَ نزولها عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فلمّا أمسى المرتابون بها، وأخَذوا مَضاجِعَهم في أحسَن صورةٍ من نسائِهم آمِنِين، فلما كان مِن آخِرِ الليلِ مَسَخَهم اللهُ خنازير، وأصبَحوا يَتتبعون الأقذارَ في الكُناسات

سورة ص — الآية ٣٤

عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق- قال: سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يُقال لها: صيدون، بها ملِك عظيم الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلًا لمكانه في البحر، وكان اللهُ قد آتى سليمانَ في مُلكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريحُ على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده مِن الجن والإنس، فقَتَل مَلِكَها، واستولى واستفاء وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتًا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم يُر مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاءٍ منها وقِلَّة فِقْه، وأحبها حبًّا لم يحبه شيئًا مِن نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشقَّ ذلك على سليمان، فقال لها: ويحكِ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إنّ أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد أبدلك الله به مُلكًا هو أعظم مِن ملكه، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى مِن الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوَّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيًا لَرجوت أن يُذهب ذلك حزني، وأن يُسلِّي عنِّي بعضَ ما أجد في نفسي. فأمر سليمانُ الشياطين، فقال: مثِّلوا لها صورةَ أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا. فمثَّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه، إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزَّرته وقمَّصته وعمَّمته ورَدَتْه بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كان إذا خرج سليمان مِن دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويَسْجُدْنَ له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء مِن ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصفَ بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء مِن بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه، فقال: يا نبيَّ، الله كبر سني، ورقَّ عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببتُ أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَن مضى مِن أنبياء الله وأُثني عليهم بعلمي فيهم، وأُعَلِّمُ الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون مِن كثير من أمورهم. فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر مَن مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبيِّ بما فيه، فذكر ما فضَّله الله، حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك مِن كل ما تكره في صغرك. ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف، ذكرت مِن مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال مِن أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكتَّ عما سوى ذلك مِن أمري في كبري! فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ فقال: إنّ غير الله لَيُعْبَد في دارك منذُ أربعين صباحًا في هوى امرأة. فقال: في داري؟! فقال: في دارك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفتُ أنّك ما قلتَ الذي قلتَ إلا عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره، وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأةَ وولائدها، ثم أمر بثياب الطُّهرة، فأُتِي بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاةٍ مِن الأرض وحده، فأمر برماد ففُرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله عز وجل، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعَّك فيه بثيابه تذلُّلًا لله تعالى، وتضرُّعًا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره. وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه أو أراد إصابةَ امرأة مِن نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان مُلكُه في خاتمه، فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر -واسمه: صخر- على صورة سليمان، لا تُنكِر منه شيئًا، فقال: خاتمي، أمينة. فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينةَ وقد غُيِّرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة، خاتمي. قالت: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. قالت: كذبت، فقد جاء سليمانُ فأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه. فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج، فجعل يقف على الدار مِن دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود. فيحثون عليه التراب، ويسبُّونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون! أيَّ شيء يقول؟! يزعم أنه سليمان! فلما رأى سليمانُ ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة، وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحًا عِدَّة ما كان عُبِد الوثن في داره، فأنكر آصفُ وعظماء بني إسرائيل حكمَ عدوِّ الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. قال: أمهِلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن: فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه، فقال: ويحكنَّ، هل أنكرتنَّ مِن أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده؛ ما يَدَعُ مِنّا امرأةً في دمها، ولا يغتسل من الجنابة. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إنّ هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة. فلما مضى أربعون صباحًا طار الشيطانُ عن مجلسه، ثم مرَّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشيُّ أعطاه سمكتيه، وأعطاه السمكةَ التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى، فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه، فجعله في يده، ووقع ساجدًا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لِما كان قد حدث في داره، فرجع إلى مُلْكِه، وأظهر التوبة مِن ذنبه، وأمر الشياطينَ، فقال: ائتوني بصخر. فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأُتي به، وجاؤوا له بصخرة، فنقرها، فأدخله فيها، ثم شدَّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقُذف في البحر

سورة الأعراف — الآية ١٤٥

عن عبد الله بن عباس، قال: فيما ناجى موسى ربَّه فيما وهَب اللهُ لمحمدٍ وأُمَّتَه حيثُ قرأ التوراة، وأصاب فيها نعتَ النبيِّ وأمته، قال: يا ربِّ، مَن هذا النبيُّ الذي جعلته وأُمَّته أولًا وآخِرًا؟ قال: هذا محمدٌ النبيُّ الأُمِّيُّ العربيُّ الحرميُّ التِّهاميُّ، من ولد قاذَرَ بن إسماعيل، جعلته أولًا في المحشر، وجعلته آخِرًا ختمت به الرُّسل، يا موسى، ختمتُ بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسننه السُّنن، وبدينه الأديان. قال: يا ربِّ، إنّك اصطفيتني وكلَّمتني! قال: يا موسى، إنّك صَفِيٌّ، وهو حبيبي، أبعثه يوم القيامة على كَوْمٍ، أجعل حوضَه أعرض الحياض، وأكثرهم وارِدًا، وأكثرهم تبعًا. قال: ربِّ، لقد كَرَّمتَه وشَرَّفتَه. قال: يا موسى، حُقَّ لي أن أُكَرِّمه وأُفَضِّله وأُفَضِّل أُمَّته؛ لأنهم يؤمنون بي، وبرسلي كلِّهم، وبكُتبي كلِّها، وبغَيبي كله، ما كان فيهم شاهدًا -يعني: النبيَّ ﷺ-، ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا ربِّ، هذا نعتُهم؟ قال: نعم. قال: يا ربِّ، وهبتَ لهم الجمعة أو لأُمَّتي؟ قال: بل لهم الجمعةُ دونَ أُمَّتك. قال: ربِّ، إنِّي نظرتُ في التوراة إلى نعتِ قومٍ غُرٍّ مُحَجَّلين، فمَن هم؟ أمِن بني إسرائيل هم أم من غيرهم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد، الغُرُّ المُحَجَّلون من آثار الوضوء. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يمرُّون على الصِّراط كالبرق والريح، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يُصَلُّون الصلوات الخمس، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراةِ قومًا يتَّزِرُون إلى أنصافهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ قومًا يُراعون الشمس، مناديهم في جوِّ السماءِ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة يذكرونك على كلِّ شَرَفٍ ووادٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة قومًا الحسنة منهم بعشرةٍ، والسيئة بواحدةٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم شاهرين سيوفهم، لا تُردُّ لهم حاجةٌ. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا إذا أرادوا أمرًا استخاروك ثم ركبوه، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يُشَفَّعُ مُحْسِنُهم في مُسيئِهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يحجُّون البيت الحرام لا يَنْأَوْنَ عنه أبدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمدَ، لا يقضُون منه وطرًا أبدًا. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ قُربانهم دماؤهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم يقاتلون في سبيلك صفوفًا زحوفًا، يُفْرَغ عليهم الصبرُ إفراغًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يُذْنِبُ أحدُهم الذَّنب فيتوضأُ فيُغْفَر له، ويصلِّي فتجعل الصلاة له نافلةً بلا ذنب، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يشهدون لِرُسُلك بما بلَّغوا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يجعلون الصدقة في بطونهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ الغنائمُ لهم حلالٌ، وهي مُحَرَّمةٌ على الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم جُعِلَت الأرضُ لهم طهورًا ومسجدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعتَ قوم الرجلُ منهم خيرٌ من ثلاثين ممَّن كان قبلهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد، يا موسى، الرجلُ من الأمم السالفةِ أعبَدُ من الرجل مِن أمة محمدٍ ﷺ بثلاثين ضعفًا، وهم خيرٌ بثلاثين ضعفًا؛ بإيمانه بالكتب كلِّها. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعت قوم يأوُون إلى ذِكْرِك، ويَتَحابُّون عليه، كما تأوي النُّسور إلى وكورها، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النَّمِرُ الحَرِبُ لنفسه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتباشرُ بهم الملائكة، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تتباشرُ بهم الأشجار والجبال بمَمَرِّهم عليها؛ لتسبيحهم لك، وتقديسهم لك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهبت لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتُك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يُحاسَب حسابًا يسيرًا، وظالمهم يغفر له، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، فاجعلني منهم. قال: يا موسى، أنت منهم وهم منك؛ لأنّك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضَّلتك برسالاتي وبكلامي، فكن من الشاكرين. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفًا، يُهَوَّن عليهم الموقفُ، لا يُدْرِكُ فضلَهم أحدٌ من الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائمٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم أذِلَّة على المؤمنين أعِزَّة على الكافرين، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم صدِّيقُهم أفضلُ الصديقين، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لقد كرَّمته وفضَّلته. قال: يا موسى، هو كذلك نبيِّي وصفِيِّي وحبيبي، وأُمَّته خيرُ أمةٍ. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم محرَّمة على الأمم الجنة أن يدخلوها حتى يدخلها نبيُّهم وأمتُه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لبني إسرائيل ما بالهُم؟ قال: يا موسى، إنّ قومك من بني إسرائيل يبدِّلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وإن أمة محمدٍ لا يغيِّرون سنته، ولا يُبطِلون الكتاب الذي أنزَلتُ عليه إلى أن تقوم الساعة؛ فلذلك بلَّغتُهم سَنامَ كرامَتي، وفضَّلتهم على الأمم، وجعلت نبيَّهم أفضل الأنبياء؛ أولهم في الحشر، وأوَّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعًا، وأولهم مشفَّعًا. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماءَ، كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، يا موسى، أُعْطُوا العِلمَ الأولَ الآخر. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة قومًا توضع المائدة بين أيديهم، فما يرفعونها حتى يغفر لهم، فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمدَ. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ يَلْبِسُ أحدهم الثوب فما ينفُضُه حتى يغفر له، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة نعت قومٍ إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي -يا موسى- الذين أنتقم بهم مِن عَبَدَةِ النيران والأوثان

اختُلِف في معنى: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ على أقوال: الأول: أنها منسوخة بقوله: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فأُدخِل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. الثاني: أنّ ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم. الثالث: أنّ المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. الرابع: أنه ليس للإنسان إلاّ ما سعى من طريق العدل، فأمّا مِن باب الفضل فجائزٌ أن يزيده الله ما يشاء. وبيَّن ابنُ جرير (٢٢‏/‏٨٠) أن القول بالنسخ مذكور عن ابن عباس، ثم ساق رواية علي بن أبي طلحة في ذلك. وانتقد ابنُ عطية (٨‏/‏١٢٦) القول بالنسخ -مستندًا إلى عدم التعارض- قائلًا: «وهذا لا يصِحُّ عندي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه خبر لا يُنسَخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا». غير أنه ذَكَر له وجْهًا يُمكِن أن يُحمَل عليه، فقال: «اللهم، إلا أن يُتَجَوَّز في لفظة النسخ؛ ليُفهِم سائلًا». وكذا ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٦-١٤٧) فقال: «اللفظ المنقول عن ابن عباس رواه علي بن أبي طلحة الوالبي عنه، وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس. قال: فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة. ولم يذكر نسخًا». ثم وجَّه ابنُ تيمية القول بالنسخ -على افتراض أن ابن عباس قاله- بقوله: «ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: المذكور في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج:٥٢]، وهو فهْم معنى الآية على غير الصواب والمراد منها، فقد بيَّن ابن عباس أنه لم يُرد بهذه الآية أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهم منها، لا لما دلت عليه». ثم علَّق بقوله: «وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه مَن لم يفهمه». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيفٌ أيضًا، ولا يُرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي الله عنهما ولا غيره: إنها منسوخة. والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإنّ الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا، وهذه التبعيّة هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقرّ الله أعينهم بإلحاق ذُرّيتهم بهم في الجنة، وتفضّل على الأبناء بشيء لم يكن لهم كما تفضّل بذلك على الوِالدان والحُور العين والخلْق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال والقوم الذين يُدخلهم الجنة بلا خير قدّموه ولا عملٍ عملوه. فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، وقوله: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ آيتان مُحكمتان، يقتضيهما عدل الرّبّ -تعالى- وحكمته وكما له المقدّس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب بجُرم غيره، والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى: تؤمِّن العبد من أخْذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية: تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين». ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١٢٧) -مستندًا إلى دلالة المعروف لغة- قائلًا: «والتحرير عندي في هذه الآية: أنّ مَلاك المعنى هو في اللام من قوله تعالى: ﴿لِلْإنْسانِ﴾، فإذا حقّقتّ الشيء الذي حقُّ الإنسان أن يقول فيه:»لي كذا«لم تَجِدْه إلا سعيه، وما تمَّ بَعْدُ من رحمة بشفاعة أو رعاية أبٍ صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمُّد بفضل أو رحمة دون هذا كلّه، فليس هو للإنسان ولا يَسَعُه أن يقول:»لي كذا وكذا«، إلا على تجوُّز وإلحاق بما هو له حقيقة». ومثله رجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٤) -مستندًا إلى دلالة ظاهر اللفظ- «أن الله أخبرَ عما في الصحف أنه ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾، ولم يقل: لا يَنتفعُ إلاّ بما سعى، وأن الإنسان فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يَملِكه وبما لا يَملِكه، فلا يلزم من نَفْيِ الملكِ نَفْي الانتفاع، لكن هو يستحقُّ الثوابَ على سَعْيِه لأنه حقُّه، فلا يَخاف منه ظلمًا ولا هَضْمًا، وأما سعيُ غيرِه فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغيرُ أثابَ الله ذلك الساعيَ على سَعْيه، ونفعَ هذا مِن سَعْيِ ذلك بما شاء، كما يثيبُ الداعيَ على دعائِه لغيره وينتفع المدعوُّ له». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٧) القول الثاني -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأنّ الله إنما ذكر هذا ليختَبر به هذه الأمّة كما تقدم، وليعلموا أنّ هذا حكم شامل، ولو كان هذا مخصوصًا بالأمَّتين لم تقم به حُجّةٌ على أمة محمد ﷺ». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا أيضًا أضعف من الأول -أي: من القول الثالث- أو من جنسه، فإنّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مُقَرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبار مُبطلٍ له، ولهذا قال: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم:٣٦]، فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبر به إخبار مقرّر له محتجّ به». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٧) القول الثالث -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيفٌ جِدًّا، فإنّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختص به الكافر، وقوله بعده: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ الآياتِ يتناول المؤمن قطعًا، وهو ضمير الإنسان، بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أنّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨٠) -مستندًا إلى دلالة العموم- قائلًا: «وهذا الجواب ضعيف جِدًّا، ومثل هذا العام لا يُراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر، وهو كالعام الذي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، والسياق كلّه مِن أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وأَن سَعْيَهُ سَوفَ يُرى ثمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوْفى﴾ [النجم:٤٠-٤١]، وهذا يعمّ الشر والخير قطعًا، ويتناول البَرّ والفاجر والمؤمن والكافر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨]، وكقوله له في الحديث الإلهي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إيّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏٨١) أن يُراد بالإنسان شخص معيّن، فقال: «ولا تغتر بقول كثير من المفسّرين في لفظ الإنسان في القرآن: الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان ها هنا عقبة بن أبى مُعَيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة. فالقرآن أجلُّ من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحدٍ بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، و﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أن رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق:٦-٧]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، و﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٨) القول الرابع قائلًا: «وهو أمثل مِن غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسّر الآية، فإن قوله: ﴿لَيْسَ لِلإنْسانِ﴾ نفيٌ عامٌّ، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جِهة فضْله»