اختَلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿كالقصر﴾ على وجهين: الأول: بسكون الصاد -وهي قراءة الجمهور-، هكذا ﴿كالقَصْر﴾، واخْتُلِف في المعنى -على هذه القراءة- على قولين: أولهما: أنّ القَصْر هنا واحد القصور. وثانيهما: أنّ المراد به هنا الغليظ من الخَشَب، كأصول النّخل، وما أشبه ذلك. والثاني: بفتح الصاد -وهي قراءة لابن عباس-، هكذا (كالقَصَر)، بمعنى: أعناق الدواب. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٦٠٤-٦٠٥) قراءة الجمهور، والتأويل الأول لها استنادًا إلى السياق، ولغة العرب، فقال: «وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قُراء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القَصْر من القصور، وذلك لدلالة قوله: ﴿كأنه جمالات صفر﴾ على صحته، والعرب تشبّه الإبل بالقصور المبنيّة... ، وقيل: ﴿بشرر كالقصر﴾ ولم يقل: كالقصور. والشّرر جماع، كما قيل: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر:٤٥]، ولم يقل: الأدبار. لأنّ الدُّبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقًا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام؛ لأن العرب تَفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل: ﴿كالقصر﴾، ومعنى الكلام: كعِظَم القَصْر، كما قيل: ﴿تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت﴾ [الأحزاب:١٩]، ولم يقل: كعيون الذي يُغشى عليه. لأنّ المراد في التشبيه الفعل لا العين». واستشهد بأثر الأسود. ورجَّح ابنُ عطية (٨/٥٠٨) قول ابن عباس من طريق عبد الرحمن بن عابس وما في معناه؛ أنّ القصر: «خشبٌ كان في الجاهلية يُقطَع من جَزْل الحطب من النّخل وغيره، على قدْر الذراع وفوقه ودونه، يُستَعَدُّ به للشتاء» قائلًا: «وهو المراد في الآية، وإنما سُمّي بالقَصْر لأنه يحيط بالقصرة». ولم يذكر مستندًا
عن محمد بن إسحاق، عن محمد ابن شهاب الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن يحيى بن حبان، والحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، قالوا: كان يومُ أحد يومَ بلاءٍ وتمحيصٍ، اختبر الله به المؤمنين، ومَحَق به المنافقين مِمَّن كان يُظهر الإسلامَ بلسانه وهو مُسْتَخْفٍ بالكفر، ويومٌ أكرم الله فيه مَن أراد كرامته بالشهادة مِن أهل ولايته، فكان مِمّا نزل مِن القرآن في يوم أحدٍ ستون آيةً مِن آل عمران، فيها صِفَةُ ما كان في يومه ذلك، ومعاتبةُ مَن عاتب منهم، يقول الله لنبيه: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم﴾
عن الحسن البصري، قال: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا، ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: «إن أبا سفيان قد رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟». فقام النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وناس من أصحاب النبي ﷺ، فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: رُدُّوا محمدًا، ولكم من الجُعْل كذا وكذا، وأخبِروهم أني قد جمعت لهم جموعًا، وأني راجع إليهم. فجاء التجار، فأخبروا بذلك النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «حسبنا الله ونعم الوكيل». فأنزل الله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ الآية
عن أبي عُبَيْدَة بن الجَرّاح، قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ النّاس أشدُّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: «رجلٌ قتَل نبيًّا، أو رجلًا أمَر بالمُنكَرِ ونَهى عن المعروف». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾ إلى قوله: ﴿وما لهم من ناصرين﴾. ثُمَّ قال رسول الله ﷺ: «يا أبا عُبَيْدَةَ، قَتَلَتْ بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًّا أوَّلَ النهارِ في ساعة واحدة، فقام مائةٌ وسبعون رجلًا مِن عباد بني إسرائيل، فأمروا مَن قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر؛ فقُتِلوا جميعًا مِن آخر النهار مِن ذلك اليوم، فهم الذين ذَكَرَ اللهُ»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: مِن أنّ وفْد نجران مِن النصارى قدموا على رسول الله ﷺ، وهم أربعة عشر رجلًا مِن أشرافهم، منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده وصاحِبُ رأيِهم، فقال رسول الله ﷺ لهما: «أسْلِما». قالا: أسلَمنا. قال: «ما أسلمتما». قالا: بلى، قد أسلَمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكم من الإسلام ثلاثٌ فيكما: عبادتُكما الصليب، وأكلُكما الخنزير، وزعمُكما أنّ لله ولدًا». ونزل ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ الآية، فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول. ونزل: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ [آل عمران:٦١]
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أقْبَلَت يهودُ إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بَنِيه إذْ قالوا: الله على ما نقول وكيل. قالوا: فأخبرنا من صاحبك الذي يأتيك من الملائكة، فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبَر فهي التي نتابعك إن أخبرتنا. قال: «جبريل»، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدُوُّنا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالنبات والقَطْر والرحمة لكان! فأنزل الله عز وجل: ﴿من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ إلى آخر الآية
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ اليهود سألوا النبي ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه، فيَخْصِمهم، فلما رَأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أُنزِل علينا مِنّا. وإنّهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية، وإنّ الشياطين عَمَدُوا إلى كتاب، فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد خَزُوا، وأدحض الله حجتهم
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾، قال: كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم: بنو قينقاع، كان يدعى رِفاعَة بن زيد بن السائب؛ كان يأتي النبي ﷺ، فإذا لَقِيَه فكَلَّمه قال: أرْعِنِي سمعَك، واسمع غير مُسْمَع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخَّم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مُسْمَع. كقولك: اسمع غير صاغر. وهي التي في النساء: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾ [النساء:٤٦] يقول: إنما يريد بقوله: ﴿وطعنا في الدين﴾ [النساء:٤٦] ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا
عن زُهَيْر بن محمد -من طريق عثمان بن ساجٍ- قال: لَمّا فرغ إبراهيم من البيت الحرام قال: أيْ ربِّ، قد فعلتُ، فأرِنا مناسكنا. فبعث الله إليه جبريل، فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال: احصِبْ. فحَصَب سبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث، فملأ ما بين الجبلين، ثم علا على ثَبِير، فقال: يا عباد الله، أجيبوا ربكم. فسمع دعوتَه مَن بين الأبحر مِمَّن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قالوا: لبيك اللهم لبيك. قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، ولولا ذلك لأُهلكت الأرض ومَن عليها. قال: وأول مَن أجاب إبراهيم حين أذن بالحج أهلُ اليمن
عن أبي أمامة الباهلي -من طريق سليمان بن حبيب المحاربي- أنّه قال:... إنّ في جهنم جسرًا، له سبع قَناطِر، على أوسطهن القضاء، فيُجاء بالعبد، حتى إذا انتهى إلى القَنطَرَة الوسطى قيل له: ماذا عليك مِن الدَّيْن؟ وتلا هذه الآية: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾. قال: فيقول: يا ربِّ، عَلَيَّ كذا وكذا. فيُقال له: اقضِ دَيْنَك. فيقول: ما لي شيءٌ، وما أدري ما أقضي. فيُقال له: خذوا من حسناته. فما زال يُؤخذ من حسناته حتى ما تبقى له حسنة، حتى إذا أُفْنِيَت حسناتُه قيل: قد فَنِيَت حسناته. يُقال: خذوا من سيئات مَن يطلبه فركبوا عليه. فقد بلغني: أنّ رجالا يجيئون بأمثال الجبال من الحسنات، فما يزال يُؤخَذ لِمَن يطلبهم حتى ما تبقى لهم حسنة