جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنّ الْقُوّةَ للّهِ جَمِيعاً وَأَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : أن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا له، وقد بينا فيما مضى أن الند العدل بما يدل على ذلك من الشواهد فكرهنا إعادته، وأن الذين اتخذوا هذه الأنداد من دون الله يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله، ثم أخبرهم أن المؤمنين أشد حبّا لله من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.
واختلف أهل التأويل في الأنداد التي كان القوم اتخذوها وما هي ؟ فقال بعضهم : هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنْدَادا يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُوا أشَدّ حُبّا لِلّهِ من الكفار لأوثانهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره : يُحِبوّنَهُمْ كَحُبّ اللّهِ مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد. وَالّذينَ آمنُوا أشدّ حبّا للّهِ من الكفار لأوثانهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنْدَادا يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ قال : هي الآلهة التي تعبد من دون الله. يقول : يحبون أوثانهم كَحبّ اللّهِ وَالّذينَ آمنُوا أشدّ حبّا لِلّهِ، أي من الكفار لأوثانهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنْدَادا يُحِبّوَنُهمْ كَحُبّ اللّهِ قال : هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحبّ الذين آمنوا الله، والّذينَ آمنُوا أشدّ حبّا لِلّهِ من حبهم هم آلهتهم.
وقال آخرون : بل الأنداد في هذا الموضع إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال :( حدثنا عمرو، قال :) حدثنا أسباط، عن السدي : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنْدادا يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ قال : الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله.
فإن قال قائل : وكيف قيل كحبّ الله، وهل يحبّ الله الأنداد ؟ وهل كان متخذو الأنداد يحبون الله فيقال يحبونهم كحبّ الله ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما نظير ذلك قول القائل : بعت غلامي كبيع غلامك، بمعنى : بعته كما بيع غلامك وكبيعك غلامك، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك، بمعنى : استيفائك حقك. فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب اكتفاء بكنايته في «الغلام » و«الحق »، كما قال الشاعر :
فَلَسْتُ مُسَلّما ما دُمْتُ حَيّا عَلى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِيرِ
يعني بذلك : كما يُسَلّم على الأمير.
فمعنى الكلام إذا : ومن الناس من يتخذ أيها المؤمنون من دون الله أندادا يحبونهم كحبّ الله.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعا وأنّ اللّهَ شَدِيدُ العَذَابِ.
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة أهل المدينة والشام : وَلَوْ تَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا بالتاء إذْ يَروْنَ العَذَابِ بالياء أن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعا وأن اللّهَ شَدِيدُ العَذَابِ بفتح «أن » و«أن » كلتيهما، بمعنى : ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله ويعاينونه، أن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب. ثم في نصب «أن » و«أن » في هذه القراءة وجهان : أحدهما أن تفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه فيكون تأويل الكلام حينئذ : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذْ يرون عذاب الله لأقرّوا. ومعنى ترى : تبصر أن القوّة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ إذ فتحت «أن » على هذا الوجه متروكا قد اكتفي بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح ( أن ) على قراءة من قرأ : وَلَوْ تَرَى بالتاء.
والوجه الآخر في الفتح، أن يكون معناه : ولو ترى يا محمد إذ يرى الذين ظلموا عذاب الله، لأن القوّة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب، لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف اللام فتفتح بذلك المعنى لدلالة الكلام عليها.
وقرأ ذلك آخرون من سلف القرّاء : وَلَوْ تَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ إن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعا وَإنّ اللّهَ شَدِيدُ العَذَابِ بمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا حين يعاينوا عذاب الله لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرا مبتدأ عن قدرته وسلطانه بعد تمام الخبر الأول، فقال : إن القوة لله جميعا في الدنيا والآخرة دون من سواه من الأنداد والآلهة، وإن الله شديد العذاب لمن أشرك به وأدّعى معه شركاء وجعل له ندّا.
وقد يحتمل وجها آخر في قراءة من كسر «إن » في «ترى » بالتاء، وهو أن يكون معناه : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذاب، يقولون : إن القوّة لله جميعا، وإن الله شديد العذاب. ثم تحذف القول وتكتفي منه بالمقول.
وقرأ ذلك آخرون : وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا بالياء إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أنّ القوّة لله جميعا وأنّ الله شَدِيدُ العَذَابِ بفتح الألف من أنّ وأن، بمعنى : ولو يرى الذين ظلموا عذاب الله الذي أعدّ لهم في جهنم لعلموا حين يرونه فيعاينونه أن القوّة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون «أن » الأولى منصوبة لتعلقها بجواب «لو » المحذوف، ويكون الجواب متروكا، وتكون الثانية معطوفة على الأولى وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن تأويل قراءة من قرأ : وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوّةَ لِلّهِ جَمِيعا وأنّ اللّهَ شَدِيدُ العَذَابِ بالياء في يرى وفتح الألفين في «أن » و«أن » : ولو يعلمون، لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبيّ ﷺ علم، فإذا قال :«ولو ترى »، فإنما يخاطب النبيّ ﷺ. ولو كسر «إن » على الابتداء إذا قال :«ولو يرى » جاز، لأن «لو يرى » : لو يعلم، وقد يكون «لو يعلم » في معنى لا يحتاج معها إلى شيء، تقول للرجل : أما والله لو يعلم ولو تعلم، كما قال الشاعر :
إنْ يَكُنْ طِبّكِ الدّلالُ فَلَوْ فِي سالِفِ الدّهْرِ وَالسّنِينَ الخَوَالي
هذا ليس له جواب إلا في المعنى، وقال الشاعر :
وبِخَطَ مِمّا نَعِيشُ وَلا تَذْهَبْ بِكَ التّرّهاتُ فِي الأهْوَالِ
فأضمر «عش ».
قال : وقال بعضهم :«ولو ترى » وفتح «أنّ » على «ترى » وليس بذلك، لأن النبيّ ﷺ يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناس كما قال تعالى ذكره : أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ليخبر الناس عن جهلهم، وكما قال : ألَمْ تَعْلَمْ أنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ.
قال أبو جعفر : وأنكر قوم أن تكون «أنّ » عاملاً فيها قوله : ولو يرى، وقالوا : إن الذين ظلموا قد علموا حين يرون العذاب أن القوّة لله جميعا، فلا وجه لمن تأوّل ذلك : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله. وقالوا : إنما عمل في «أن » جواب «لو » الذي هو بمعنى العلم، لتقدم العلم الأول.
وقال بعض نحويي الكوفة : من نصب : أن القوة لله وأن الله شديد العذاب ممن قرأ : ولو يَرى بالياء فإنما نصبها بإعمال الرؤية فيها، وجعل الرؤية واقعة عليها. وأما من نصبها ممن قرأ :«ولو ترى » بالتاء، فإنه نصبها على تأويل : لأن القوّة لله جميعا، ولأن الله شديد العذاب. قال : ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء فإنه يكسرهما على الخبر.
وقال آخرون منهم : فتح «أنّ » في قراءة من قرأ : ولو يرى الذين ظلموا بالياء بإعمال «يرى »، وجواب الكلام حينئذ متروك، كما ترك جواب : وَلَوْ أنّ قُرآنا سُيّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرْضُ، لأن معنى الجنة والنار مكرّر معروف. وقالوا : جائز كسر «إن » في قراءة من قرأ بالياء، وإيقاع الرؤية على «إذ » في المعنى، وأجازوا نصب «أن » على قراءة من قرأ ذلك بالتاء لمعنى نية فعل آخر، وأن يكون تأويل الكلام : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ( يرون ) أن القوة لله جميعا. وزعموا أن كسر «إن » الوجه إذا قرئت :«ولو ترى » بالتاء على الاستئناف، لأن قوله :«ولو ترى » قد وقع على «الذين ظلموا ».
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا في ذلك : وَلَوْ تَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا بالتاء من «ترى » إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوَةَ للّهِ جَميعا وأنّ اللّه شَدِيدُ العَذَابِ بمعنى لرأيت أن القوة للّه جميعا وأن الله شديد العذاب، فيكون قوله «لرأيت » الثانية محذوفة مستغنى بدلالة قوله :«ولو ترى الذين ظلموا » عن ذكره، وإن كان جوابا ل «لو » ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله ﷺ معنيا به غيره، لأن النبيّ ﷺ كان لا شك عالما بأن القوّة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله : ألَمْ تَعْلَمْ أن اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ وقد بيناه في موضعه.
وإنما اخترنا ذلك على قراءة الياء لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوّة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال : لو يرون أن القوّة لله جميعا حينئذ، لأنه إنما يقال :«لو رأيت » لمن لم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له :«لو رأيت ».
ومعنى قوله : إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ إذ يعاينون العذاب. كما :
١٩٩٨حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعا وأنّ اللّهَ شَدِيدُ العَذَابِ يقول : لو عاينوا العذاب.
وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : وَلَوْ تَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي، حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوّة كلها لي دون الأنداد والاَلهة، وأن الأنداد والاَلهة لا تغني عنهم هنالك شيئا، ولا تدفع عنهم عذابا أحللته بهم، وأيقنتم أني شديدٌ عذابي لمن كفر بي وادّعى معي إلها غيري.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له =
وقد بينا فيما مضى أن"الندّ"، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته. (١)
* * *
= وأن الذين اتخذوا هذه"الأنداد" من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في"الأنداد" التي كان القوم اتخذوها. وما هي؟
* * *
فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
* ذكر من قال ذلك.
٢٤٠٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله"، من الكفار لأوثانهم.
٢٤٠٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره:"يحبونهم كحب الله"، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد،"والذين آمنوا أشد حبًا لله"، من الكفار لأوثانهم.
٢٤٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٢٤١٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله" قال، هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عَبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتُهم.
* * *
وقال آخرون: بل"الأنداد" في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.
* ذكر من قال ذلك:
٢٤١١- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله" قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله. (١)
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل:"كحب الله"؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله، فيقال:"يُحيونهم كحب الله"؟
قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما ذلك نظير قول القائل: (٢) "بعت غُلامي كبيع غلامِك"، بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيْعك
(٢) في المطبوعة: "وإنما نظير ذلك"، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى.
| فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيَّا | عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيم الأمِيرِ (١) |
* * *
فمعنى الكلام إذًا: ومنَ الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم:"ولوْ ترى الذين ظَلموا" بالتاء"إذ يَرون العذابَ" بالياء"أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب" بفتح"أنّ" و"أنّ" كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد
| أَميرٌ يأكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا | ويُطْعِمُ ضيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير! |
| أتذكُرُ إذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ | وَإِذْ نَعْلاَكَ من جِلْدِ البَعِيرِ؟ |
| فسُبْحان الذي أعطاك مُلْكًا | وعَلَّمك الجلوسَ على السَّرِير!! |
ثم في نصَبْ"أنّ" و"أنّ" في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا -ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعًا، وأنّ الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ -إذا فتحت"أن" على هذا الوجه- متروكًا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح"أن"، على قراءة من قرأ:"ولو ترى" ب"التاء".
والوجهُ الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ
* * *
وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء:"ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب". بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال:"إن القوة لله جميعًا" في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة،"وإن الله شديد العذاب" لمن أشرك به، وادعى معه شُركاء، وجعل له ندًا.
* * *
وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر"إن" في"ترى" بالتاء. وهو أن يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون: إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب. ثمّ تحذفُ"القول" وتَكتفي منه بالمقول.
* * *
وقرأ ذلك آخرون:"ولو يَرَى الذين ظلموا" بالياء"إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب" بفتح"الألف" من"أنّ""وأنّ"، بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون"أن" الأولى منصوبة لتعلقها بجواب"لو" المحذوف، ويكون الجواب متروكًا، وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ:"ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب" بالياء في"يرى" وفتح"الألفين" في"أن""وأن"-: ولو يعلمون، (١) لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي ﷺ عَلم، فإذا قال:"ولو ترى"، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو كسر"إنّ" على الابتداء، إذا قال:"ولو يرى" جاز، لأن"لو يرى"، لو يعلم.
وقد تكون"لو" في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء. (٢) تقول للرجل:"أمَا وَالله لو يعلم، ولو تعلم" (٣) كما قال الشاعر: (٤)
| إنْ يكُنْ طِبَّكِ الدّلالُ، فلَوْ فِي | سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالِي! (٥) |
(٢) في المطبوعة: "وقد تكون"لو يعلم" في معنى لا يحتاج... "، والصواب حذف"يعلم" فإنه أراد"لو" وحدها، وذلك ظاهر في استدلاله بعد.
(٣) في المطبوعة: "لو يعلم" في الموضعين، والصواب جعل إحداهما بالياء. والأخرى بالتاء.
(٤) هو عبيد بن الأبرص.
(٥) ديوانه: ٣٧، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه، وقبله:
| تلكَ عِرْسِي تَرُومُ قِدْمًا زِيَالِي | أَلِبَيْنٍ تُرِيد أَمْ لِدَلاَلِ؟ |
| أنْت بَيْضَاءُ كالمهاة، وإِذْا | آتِيكِ نَشْوَانَ مُرْخِيًا أَذْيالِي |
| وَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ، وَلا | تَذْهَبْ بِكَ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ (٢) |
قال: وقرأ بعضهم:"ولو تَرى"، وفتح"أن" على"ترى". وليس بذلك، (٤) لأن النبي ﷺ يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ، كما قال تعالى ذكره: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) [سورة السجدة: ٣]، ليخبر الناس عن جهلهم، وكما قال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) [سورة البقرة: ١٠٧]. (٥)
* * *
قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون"أنّ" عاملا فيها قوله:"ولو يرى". وقالوا: إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا، فلا وجه لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا: إنما عمل في"أن" جواب"لو" الذي هو بمعنى"العلم"، لتقدم"العلم" الأول. (٦)
* * *
(٢) ديوانه: ٣٧، وسيأتي في التفسير ٧: ١١٧، وهو في الموضعين مصحف. كان هنا"وبحظ ما تعيش". قال لها ذلك بعد أن ذكر أنها زعمت أنه كبر وقل ماله، وضن عنه إخوانه وأنصاره. ثم أمرها أن ترفض مقالة العاذلين، ويعظها أن تعيش معه بما يعيش به. والترهات جمع ترهة: وهي أباطيل الأمور. والأهوال جمع هول: وهو الأمر المخيف. ثم ذكر لها أمر أهلها إذا فارقته إليهم وما تلقاه من أهوال، فقال:
| مِنْهُمُ مُمْسِكٌ، ومِنْهم عَدِيمٌ، | وبَخِيلُ عَلَيْكِ فِي بُخّالِ |
(٤) قوله: "ليس بذلك"، أي قول ضعيف ليس بذلك القوي.
(٥) انظر ما سلف ٢: ٤٨٤-٤٨٨.
(٦) يعني بالعلم الأول"لو يرى" بمعنى"لو يعلم"، والآخر الجواب المحذوف: "لعلموا".
* * *
وقال آخرون منهم: فتح"أنّ" في قراءة من قرأ:"ولو يَرَى الذين ظلموا" بالياء، بإعمال"يرى"، وجوابُ الكلام حينئذ متروك، كما ترك جواب: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ) [سورة الرعد: ٣١]، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. (١) وقالوا: جائز كسر"إن"، في قراءة من قرأ ب"الياء"، وإيقاع"الرؤية" على"إذ" في المعنى، وأجازوا نصب"أن" على قراءة من قرأ ذلك ب"التاء"، لمعنى نية فعل آخر، وأن يكون تأويل الكلام:"ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب"، [يرَون] أنّ القوة لله جميعا، (٢) وزعموا أن كسر"إنّ" الوجهُ، إذا قرئت:"ولو تَرَى" ب"التاء" على الاستئناف، لأن قوله:"ولو ترى" قد وَقع على"الذين ظلموا". (٣)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك:"ولو تَرَى الذين ظلموا" -بالتاء من"ترى"-"إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب" بمعنى: لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله:"لرأيت" الثانية، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله:"ولو ترى الذين ظلموا"، عن ذكره، وإن
(٢) الذي بين القوسين زيادة لا بد منها، وإلا اختل الكلام، واستدركتها من معاني القرآن للفراء ١: ٩٨.
(٣) هذا قول الفراء في معاني القراء ١: ٩٧-٩٨، مع بعض التصرف في اللفظ. وقوله: "وقع"، و"الوقوع" يعني به تعدي الفعل إليه. وانظر فهرس المصطلحات.
ويكون الكلام، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله ﷺ - معنيًّا به غيره. لأن النبي ﷺ كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك نظيرَ قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) [سورة البقرة: ١٠٧] وقد بيناه في موضعه. (٢)
وإنما اخترنا ذلك على قراءة"الياء"، لأن القوم إذا رَأوا العذاب، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ. لأنه إنما يقال:"لو رأيت"، لمن لم يرَ، فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له:"لو رأيت".
* * *
ومعنى قوله:"إذ يَرون العذاب"، إذ يُعاينون العذاب، كما:-
٢٤١٢- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب"، يقول: لو عاينوا العذاب.
* * *
وإنما عنى تعالى ذكره بقوله:"ولو تَرَى الذين ظلموا"، ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي، حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا، ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم، وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.
* * *
(٢) انظر ما سلف ٢: ٤٨٤-٤٨٨.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقوله :﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه. ثم تَوَعَّدَ تعالى المشركين به، الظالمين لأنفسهم بذلك فقال :﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
قال بعضهم : تقدير الكلام : لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعًا، أي : إن الحكم له(٣) وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال :﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦] يقول : لو علموا ما يعاينونه(٤) هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
٢ صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨).
.
٣ في جـ، ط: "إن الحكم لله"..
٤ في جـ: "ما يعاينوه"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
فَبِهَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنْ كَانَ هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾
وَرَوَاهُ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -هُوَ الرَّازِيُّ -عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، وَالدِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، بِهِ.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾
يُذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا [لَهُ] (٢) أَنْدَادًا، أَيْ: أَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا ندَّ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خلَقَك" (٣).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَلِحُبِّهِمْ لِلَّهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ لَهُ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
(٢) زيادة من جـ.
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨).
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأَوْثَانِهِمْ وَتَبَرُّؤِ الْمَتْبُوعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ] (٣)﴾ تَبَرَّأَتْ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٣] وَيَقُولُونَ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وَالْجِنُّ أَيْضًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣١-٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ أَيْ: عَاينوا عَذَابَ اللَّهِ، وتقطَّعت بِهِمُ الحيَلُ وَأَسْبَابُ الْخَلَاصِ وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعْدلا وَلَا مَصْرفا.
قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ قَالَ: الْمَوَدَّةُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ لنا عَوْدة (٤) إلى
(٢) في جـ: "ما يعاينوه".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) في ط: "دعوة".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى، لما بين وحدانيته وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين، المزيلة لكل شك، ذكر هنا أن ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أندادا لله أي : نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة.
ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة، وبيان التوحيد - علم أنه معاند لله، مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة العذاب.
وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله :﴿اتخذوا﴾ دليل على أنه ليس لله ند وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له، تسمية مجردة، ولفظا فارغا من المعنى، كما قال تعالى :﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق، وغيره مخلوق، والرب الرازق ومن عداه مرزوق، والله هو الغني وأنتم الفقراء، وهو الكامل من كل الوجوه، والعبيد ناقصون من جميع الوجوه، والله هو النافع الضار، والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء، فعلم علما يقينا، بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا، أو صالحا، صنما، أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة، والذل التام، فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله :﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أي : من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره.
فلهذا توعدهم الله بقوله :﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله، وسعيهم فيما يضرهم.
﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي : يوم القيامة عيانا بأبصارهم، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ أي : لعلموا علما جازما، أن القوة والقدرة لله كلها، وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء، فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، فخاب ظنهم، وبطل سعيهم، وحق عليهم شدة العذاب، ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا، ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى، لما بين وحدانيته وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين، المزيلة لكل شك، ذكر هنا أن ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أندادا لله أي: نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة.
ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة، وبيان التوحيد - علم أنه معاند لله، مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة العذاب.
وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد -[٨٠]- مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله: ﴿اتخذوا﴾ دليل على أنه ليس لله ند وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له، تسمية مجردة، ولفظا فارغا من المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾.
﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق، وغيره مخلوق، والرب الرازق ومن عداه مرزوق، والله هو الغني وأنتم الفقراء، وهو الكامل من كل الوجوه، والعبيد ناقصون من جميع الوجوه، والله هو النافع الضار، والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء، فعلم علما يقينا، بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا، أو صالحا، صنما، أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة، والذل التام، فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أي: من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره.
فلهذا توعدهم الله بقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله، وسعيهم فيما يضرهم.
﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ أي: لعلموا علما جازما، أن القوة والقدرة لله كلها، وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء، فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، فخاب ظنهم، وبطل سعيهم، وحق عليهم شدة العذاب، ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا، ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها.
وتبرأ المتبوعون من التابعين، وتقطعت بينهم الوصل، التي كانت في الدنيا، لأنها كانت لغير الله، وعلى غير أمر الله، ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له، فاضمحلت أعمالهم، وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين، وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها، انقلبت عليهم حسرة وندامة، وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، فهل بعد هذا الخسران خسران؟ ذلك بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل ورجوا غير مرجو، وتعلقوا بغير متعلق، فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها، فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين، وأخلص العمل لوجهه، ورجا نفعه، فهذا قد وضع الحق في موضعه، فكانت أعماله حقا، لتعلقها بالحق، ففاز بنتيجة عمله، ووجد جزاءه عند ربه، غير منقطع كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾.
وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم، بأن يتركوا الشرك بالله، ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات، فات الأمر، وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا، فهم كذبة، فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه، وأماني يتمنونها، حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم، فرأس المتبوعين على الشر إبليس، ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٤ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- يحبونهم كحب الله
- اى يسوون بين الله وبين الانداد فى المحبه
- ولو يرى الذين ظلموا
- اى لو راوا عذاب الاخرة لعلمو ان القوة لله
إعراب الآية ١٦٥ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٥]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)مِنَ في موضع رفع بالابتداء ويَتَّخِذُ على اللفظ ويجوز في غير القرآن يتخذون، يُحِبُّونَهُمْ على المعنى، ويجوز في غير القرآن يحبّهم وهو في موضع نصب على الحال من المضمر الذي في يتّخذ، وإن شئت كان نعتا لأنداد، وإن شئت كان في موضع رفع نعتا لمن على أنّ من نكرة كما قال: [الكامل] ٣٠-
| فكفى بنا فضلا على من غيرنا | حبّ النّبيّ محمّد إيّانا «١» |
هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدّر «ولو يرى الذين ظلموا العذاب» وكأنه جعله مشكوكا فيه، وقد أوجبه الله عزّ وجلّ. ولكن التقدير وهو قول أبي الحسن الأخفش سعيد: ولو يرى الذين ظلموا أنّ القوة لله، ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله، فيرى واقعة على «أن»، وجواب «لو» محذوف أي لتبيّنوا ضرر اتخاذهم الآلهة، كما قال: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠] ولم يأت للو جواب. قال الزهري وقتادة:
الإضمار أشدّ للوعيد. قال أبو جعفر: ومن قرأ ولو ترى بالتاء كان «الذين» مفعولين
(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٦٤٥، وهي قراءة الحسن وقتادة وشيبة وأبي جعفر ويعقوب أيضا.
القراءات في الآية ١٦٥ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
أَنَّ الْقُوَّةَ
(أَنّ القوة) بفتح الهمزة
(إنّ القوة) بكسر الهمزة
النَّاسِ
بالإمالة
بالفتح
جَمِيعاً وَأَنَّ
(جميعاً وأَنّ) ادغام بغنة وفتح الهمزة
(جميعاً وَّأَن) ادغام بلا غنة وفتح الهمزة
(جميعاً وإِن) ادغام بغنة وكسر الهمزة
يَرَوْنَ
(يُرَوْنَ) بضم الياء
(يَرَوْنَ) بفتح الياء
يَرَى الَّذِينَ
بالتاء وفتح الراء وصلاً (تَرَى)
بالياء وإمالة الراء وصلاً (يَرَى)
بالياء وفتح الراء وصلاً (يَرَى)
الموضوعات القرآنية للآية ١٦٥ من سورة البقرة
٧ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٣٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٣٤ قولًاعن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، قال: مِن الكفار لآلهتهم١
عن عكرمة مولى ابن عباس: ﴿والذين امنوا أشد حبا لله﴾، قال: مِن الكفار لآلهتهم، أي: لأوثانهم١٢
عن عكرمة مولى ابن عباس: ﴿والذين امنوا اشد حبًّا لله﴾: أشدُّ حبًّا في الآخرة١
عن الحسن البصري: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس:١٨]، وقولهم: ﴿وما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر:٣]، والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة، ولذلك قال -عزّ مِن قائِل-: ﴿والّذين آمنوا أشدّ حبًّا لله﴾١
عن قتادة: في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ مِن الكُفّار لأوثانهم١
عن قتادة: إنّ الكافر يُعْرِض عن معبوده في وقت البلاء، ويُقْبِل على الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدّين﴾ [العنبكوت:٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وإذا مسّكم الضّرّ في البحر ضلّ من تدعون إلاّ إيّاه﴾ [الإسراء:٦٧]، والمُؤْمِن لا يُعْرِض عن الله في الضَّرّاء والسَّرّاء، والرَّخاء والبلاء، ولا يختار عليه سواه١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿والذين امنوا اشد حبًّا لله﴾، أي: من الكفار لأوثانهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ منهم لآلهتهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ مِن حبهم هم لآلهتهم١٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾، يقول: لَوْ قد عاينوا العذاب١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور-: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب﴾، يقول الله لمحمد: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، أنك ستراهم إذ يرون العذاب، وحينئذ يعلمون أنّ القوة لله جميعًا، وأنّ الله شديد العذاب١
عن عطاء أنّه قال: ﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾ يوم القيامة ﴿إذ يرون العذاب﴾ حين تخرج إليهم جهنّم من مسيرة خمسمائة عام، لتلتقطهم كما يلتقط الحمامُ الحَبَّة؛ لعَلِموا أنّ القوّة والقدرة والملكوت والجبروت لله جميعًا١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿العذاب﴾، أي: عقوبة الآخرة١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾، قال: لو قد عاينوا العذاب١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولو يرى﴾ محمدٌ يوم القيامة ﴿الذين ظلموا﴾ يعني: مشركي العرب، ستراهم -يا محمد- في الآخرة، ﴿إذ يرون العذاب﴾ فيعلمون حينئذٍ ﴿أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب﴾١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، يعني: أوثانًا١
عن عكرمة مولى ابن عباس: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، أي: شركاء١
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق السدي- قوله: ﴿أندادًا﴾، يعني: شركاء١
عن أبي مِجْلَز أنّه سُئِل: ما الشِّرْكُ؟ فقال: أن تَتَّخِذ مِن دون الله أندادًا١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في الآية، قال: الأندادُ من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، قال: هي الآلهة التي تُعبد من دون الله١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن الناس﴾ يعني: مشركي العرب ﴿من يتخذ من دون الله أندادًا﴾ يعني: شركاء، وهي الآلهة١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا﴾، قال: هؤلاء المشركون، أندادُهم آلهتُهم التي عَبَدُوا مع الله١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله عز وجل: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، يقول: يحبون تلك الأوثان كحُبِّ الله، أي: كحُبِّ الذين آمنوا ربَّهم١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾، قال: مُباهاةً ومُضادَّةً لِلحّقِّ بالأَنداد١
عن عكرمة مولى ابن عباس، ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، أي: يحبون آلهتَهم كحُبِّ المؤمنين لله١
عن قتادة بن دِعامة، في قوله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾، قال: يُحِبُّون أوثانهم كحُبِّ الله١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في الآية، قال: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوُا اللهَ١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، يقول: يُحِبُّون أوثانهم كحُبِّ الله١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يحبونهم كحب الله﴾، يقول: يُحِبُّون آلهتهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا ربَّهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾، قال: يُحِبُّونهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا اللهَ١
عن عبد الله بن عباس: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾: أثْبَتُ، وأَدْوَمُ١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله عز وجل: ﴿والذين امنوا أشد حبًّا لله﴾ مِن أهل الأوثان لأوثانهم١
عن سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة مَن أحْرَق نفسَه في الدُّنيا على رُؤْيَةِ الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم، فلا يدخلون؛ لعِلْمِهم أنّ عذاب جهنَّم على الدَّوام، ثُمَّ يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكافرين: إن كنتم أحِبّائي فادخلوا جهنّم. فيقتحمون فيها، فيُنادِي مُنادٍ من تحت العرش: ﴿والذين امنوا أشد حبًّا لله﴾١
وقفات تدبرية في الآية ١٦٥ من سورة البقرة
٣٧ وقفةً في هذه الآية
-
"والذين آمنوا أشد حبا لله" ماذا بقي من لذة للمحبين، وأين الغيرة أيها العشاق.
— عبدالله بلقاسم
-
(والذين آمنوا أشد حبا لله..) قلوبٌ يباهي الله بحبها له ، ما أجملها.
— وليد العاصمي
-
(والذين آمنوا أشد حباً لله!) لن يطرحهم في النار وقد باهى بهم!
— وليد العاصمي
-
"والذين آمنوا أشد حباً لله" من الأدعية_ النبوية التي ينبغي حفظها "اللهم إني أسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك".
— ريان بن محمد الدوسري
-
( والذين آمنوا أشد حبا لله ) يحبونه أشد من حبهم حتى لأنفسهم يحبون أن يرضى ولو تكدرت خواطرهم وتعبت قلوبهم وتألمت أرواحهم.
— عبدالله بلقاسم
-
(والذين آمنوا أشد حبا لله) توقف! ولو كنت في خضم الحياة، وصخب الأيام انحز بقلبك جانبا تحسس محبة الله فيه هذا سر كل الحياة.
— عبدالله بلقاسم
-
﴿ و الذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله ﴾ أحبهم الله تعالى أولًا ثم أحبوه ، وَ من شَهِـد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم.
— القرطبي
-
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} إن استطعت أن لا يسبقك أحدٌ في الحُب، فافعل!
— عبدالله بلقاسم
-
يتفاضل الخلق في حب الخالق وليس في حب غيره (والذين آمنوا أشد حبا لله).
— ابتسام الجابري
-
كل حب بعد حب المؤمنين لربهم هو تبع لتلك المحبة. فهم يحبون لله وفي الله وبالله. وهم أشد حبا لله. (والذين آمنوا أشد حبا لله).
— ابتسام الجابري
-
(والذين آمنوا أشد حبا لله) ميزان عدل للحب الصادق.
— بدون مصدر
-
"والذين آمنوا أشد حبا لله" خلقنا الله متفاوتين في المواهب والقدرات و لم يكن التفاضل عنده بها. لكن بالحب الذي يطيقه كل قلب سابقهم بحبك.
— عبدالله بلقاسم
و٢٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ١٦٥ من سورة البقرة
فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية
- مستمع يسأل عن تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ...
- قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ هل معنى ذلك أن المشركين كانوا يحبون الله ؟
ترجمات معاني الآية ١٦٥ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(165) And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا