اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :" دَعْوَاهُمْ " مبتدأ، و " سُبْحانَكَ " معمول لفعل مقدَّر لا يجوز إظهاره هو الخبر، والخبرُ هنا هو نفسُ المبتدأ، والمعنى : أن دعاؤهم هذا اللفظ، ف " دَعْوَى " يجوزُ أن يكون بمعنى الدعاء، ويدلُّ عليه " اللَّهُمَّ " ؛ لأنَّه نداء في معنى يا الله، يقال :" دَعَا يَدْعُو دُعَاء ودَعْوَى "، كما يقال :" شكى يَشْكُو شِكَايةً وشَكْوى "، ويجوز أن يكون الدُّعاء هنا بمعنى العبادة، نظيره قوله تعالى :﴿وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [مريم: ٤٨] أي : وما تعبدون، ف " دَعْوَى " : مصدرٌ مضاف للفاعل، ثم إن شئتَ أن تجعل هذا من باب الإسناد اللفظي، أي : دعاؤهُم في الجنَّة هذا اللفظُ بعينه، فيكون نفسُ " سُبْحانَكَ " هو الخبر، وجاء به مَحْكيّاً على نصبه بذلك الفعل، وإن شئتَ جعلتهُ من باب الإسناد المعنوي ؛ فلا يلزمُ أن يقولوا هذا اللفظ فقط، بل يقولونه وما يؤدِّي معناه من جَميع صفات التنزيه والتَّقديس، وقد تقدَّم نظير هذا عند قوله تعالى :﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨].
وقيل : المراد من الدَّعْوَى : نفس الدَّعوى التي تكون للخَصْمِ على خَصْمِه.
والمعنى : أنَّ أهل الجنَّة يدعون في الدُّنيا وفي الآخرة تنزيه الله عن كل المعايب، والإقرار له بالإلهيَّة.
قال القفال : وأصل ذلك من الدُّعاء، لأن الخصم يدعُو خصمهُ إلى من يحكم بينهما.
قال أبو مسلم :" دَعْوَاهُمْ " أي : فعلهم وإقرارهم، ونداؤهُم هو قولهم " سُبْحَانَكَ اللهم " قال القاضي :" دَعْواهُمْ " أي : طريقتهم في تمجيد الله وتقديسه وشأنهم وسنَّتهم ؛ لأنَّ قوله " سُبْحَانَكَ اللهم " ليس بدعاءٍ ولا بدعوى، إلاَّ أنَّ المُدَّعي للشيء يكون مواظباً على ذكره، لا جرم جعل لفظ " الدَّعْوى " كناية عن تلك المواظبة والملازمة. فأهلُ الجنَّة لمَّا كانُوا مواظبين على هذا الذكر، أطلق لفظ " الدَّعْوَى " عليهم، وقال القفال : قيل في قوله :﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي : ما يتمنونهُ، والعرب تقول : ادع ما شئت عليّ أي : تمنّ ما شِئْتَ.
وقال ابن جريج : أخبرت أن قوله ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم﴾ : هو أنَّه إذا مرَّ بهم طيرٌ يشتهونه، قالوا : سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بذلك المشتهى. قال ابن الخطيب :" وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المعنى : أنَّ تمنيهم في الجنَّة أن يسبحوا الله - تعالى -، أي : تمنيهم لما يتمنَّونهُ، ليس إلاَّ في تسبيح الله، وتقديسه، وتنزيهه ".
قوله :" سُبْحَانَكَ اللهم " قال بعض المفسِّرين : إنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر علامة على طلب المشتهيات فيؤتَوْنَ بذلك المشتهى فإذا نالوا من شهرتهم، قالوا :﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾، وضعف ابن الخطيبِ هذا من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر العالي المُقدَّس علامة على طلب المأكول والمنكوح، وهذا في غاية الخساسة.
وثانيها : أنَّه - تعالى - قال في صفة أهل الجنة ﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، فإذا اشتهوا أكل ذلك الطَّيْر، فلا حاجة بهم إلى الطَّلب، فسقط هذا الكلام.
وثالثها : أنَّ هذا صرف للكلام عن ظاهره الشريف العالي، إلى محل خسيس لا إشعار للفظ به. وإنما المرادُ : أنَّ اشتغالَ أهل الجنَّة بتقديس الله - سبحانه -، وتحميده، والثناء عليه ؛ لأنَّ سعادتهم، وابتهاجهم، وسرورهم بهذا الذِّكر.
قال القاضي(١) : إنَّه - تعالى - لمَّا وعد المتَّقين بالثَّواب العظيم، في قوله أوَّل السورة :
﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]، فإذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن الله - تعالى - كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا :" سُبْحَانَكَ اللهم " أي : سبحانك من الخلف في الوعد، والكذب في القول.
قوله :" وَتَحِيَّتُهُمْ " مبتدأ، و " سَلاَمٌ " خبره، وهو كالذي قبله، والمصدر هنا يحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، أي : تحيَّتهم التي يُحيُّون بها بعضهم سلامٌ.
ويحتمل أن يكون مضافاً لمفعوله، أي : تحيَّتهُم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلامٌ ؛ ويدلُّ له قوله :﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، و " فيهَا " في الموضعين متعلقٌ بالمصدر قبله. وقيل : يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس بذاك، وقال بعضهم : يُحَيِّي بعضهم بعضاً، ويكون كقوله - تعالى - :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، حيث أضافهُ ل " داود وسليمان "، وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألة أخرى، وهي أنَّه : هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا ؟.
فإن قلنا : نعم، جاز ذلك، لأنَّ إضافة المصدر لفاعله حقيقةٌ، ولمفعوله مجاز، ومنْ منعَ ذلك، أجاب : بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان، فلذلك قال :" لِحُكْمِهِمْ ".
قوله :" وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ " مبتدأ، و " أنْ " : هي المخففة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الأمر والشَّأن حذف، والجملةُ الاسمية بعدها في محلِّ الرفع خبراً لها ؛ كقول الشَّاعر :[ البسيط ]
و " أن " واسمها وخبرها في محلِّ رفع خبراً للمبتدأ الأول، وزعم الجرجانيُّ : أن " أنْ " هنا زائدةٌ، والتقدير : وآخرُ دعواهم الحمدُ لله، وهي دعوى لا دليل عليها، مخالفةٌ لنص سيبويه والنحويِّين، وزعم المبرِّد أيضاً : أنَّ " أنْ " المخففة يجُوز إعمالها مخففة، كهي مشدَّدةً، وقد تقدَّم ذلك.
وتخفيفُ " أنْ "، ورفع " الحَمْدُ " هي قراءةُ العامة، وقرأ عكرمة(٣)، وأبو مجلز، وأبو حيوة، وقتادة، ومجاهد، وابن يعمر، وبلال بن أبي بردة، وابن محيصن ويعقوب بتشديدها، ونصب " الحَمْد " على أنَّهُ اسمها ؛ وهذه تُؤيِّدُ أنَّها المخففةُ في قراءة العامَّة، وتردُّ على الجُرجاني، ومعنى الآية : أنَّ أهل الجنَّة يفتتحُون كلامهم بالتَّسبيحِ، ويختمُونَهُ بالتَّحْميدِ.
وقيل : المراد من الدَّعْوَى : نفس الدَّعوى التي تكون للخَصْمِ على خَصْمِه.
والمعنى : أنَّ أهل الجنَّة يدعون في الدُّنيا وفي الآخرة تنزيه الله عن كل المعايب، والإقرار له بالإلهيَّة.
قال القفال : وأصل ذلك من الدُّعاء، لأن الخصم يدعُو خصمهُ إلى من يحكم بينهما.
قال أبو مسلم :" دَعْوَاهُمْ " أي : فعلهم وإقرارهم، ونداؤهُم هو قولهم " سُبْحَانَكَ اللهم " قال القاضي :" دَعْواهُمْ " أي : طريقتهم في تمجيد الله وتقديسه وشأنهم وسنَّتهم ؛ لأنَّ قوله " سُبْحَانَكَ اللهم " ليس بدعاءٍ ولا بدعوى، إلاَّ أنَّ المُدَّعي للشيء يكون مواظباً على ذكره، لا جرم جعل لفظ " الدَّعْوى " كناية عن تلك المواظبة والملازمة. فأهلُ الجنَّة لمَّا كانُوا مواظبين على هذا الذكر، أطلق لفظ " الدَّعْوَى " عليهم، وقال القفال : قيل في قوله :﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي : ما يتمنونهُ، والعرب تقول : ادع ما شئت عليّ أي : تمنّ ما شِئْتَ.
وقال ابن جريج : أخبرت أن قوله ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم﴾ : هو أنَّه إذا مرَّ بهم طيرٌ يشتهونه، قالوا : سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بذلك المشتهى. قال ابن الخطيب :" وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المعنى : أنَّ تمنيهم في الجنَّة أن يسبحوا الله - تعالى -، أي : تمنيهم لما يتمنَّونهُ، ليس إلاَّ في تسبيح الله، وتقديسه، وتنزيهه ".
قوله :" سُبْحَانَكَ اللهم " قال بعض المفسِّرين : إنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر علامة على طلب المشتهيات فيؤتَوْنَ بذلك المشتهى فإذا نالوا من شهرتهم، قالوا :﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾، وضعف ابن الخطيبِ هذا من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنَّ أهل الجنَّة جعلوا هذا الذِّكر العالي المُقدَّس علامة على طلب المأكول والمنكوح، وهذا في غاية الخساسة.
وثانيها : أنَّه - تعالى - قال في صفة أهل الجنة ﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، فإذا اشتهوا أكل ذلك الطَّيْر، فلا حاجة بهم إلى الطَّلب، فسقط هذا الكلام.
وثالثها : أنَّ هذا صرف للكلام عن ظاهره الشريف العالي، إلى محل خسيس لا إشعار للفظ به. وإنما المرادُ : أنَّ اشتغالَ أهل الجنَّة بتقديس الله - سبحانه -، وتحميده، والثناء عليه ؛ لأنَّ سعادتهم، وابتهاجهم، وسرورهم بهذا الذِّكر.
قال القاضي(١) : إنَّه - تعالى - لمَّا وعد المتَّقين بالثَّواب العظيم، في قوله أوَّل السورة :
﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]، فإذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، عرفوا أن الله - تعالى - كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا قالوا :" سُبْحَانَكَ اللهم " أي : سبحانك من الخلف في الوعد، والكذب في القول.
قوله :" وَتَحِيَّتُهُمْ " مبتدأ، و " سَلاَمٌ " خبره، وهو كالذي قبله، والمصدر هنا يحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، أي : تحيَّتهم التي يُحيُّون بها بعضهم سلامٌ.
ويحتمل أن يكون مضافاً لمفعوله، أي : تحيَّتهُم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلامٌ ؛ ويدلُّ له قوله :﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، و " فيهَا " في الموضعين متعلقٌ بالمصدر قبله. وقيل : يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس بذاك، وقال بعضهم : يُحَيِّي بعضهم بعضاً، ويكون كقوله - تعالى - :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، حيث أضافهُ ل " داود وسليمان "، وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألة أخرى، وهي أنَّه : هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا ؟.
فإن قلنا : نعم، جاز ذلك، لأنَّ إضافة المصدر لفاعله حقيقةٌ، ولمفعوله مجاز، ومنْ منعَ ذلك، أجاب : بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان، فلذلك قال :" لِحُكْمِهِمْ ".
قوله :" وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ " مبتدأ، و " أنْ " : هي المخففة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الأمر والشَّأن حذف، والجملةُ الاسمية بعدها في محلِّ الرفع خبراً لها ؛ كقول الشَّاعر :[ البسيط ]
| فِي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ علمُوا | أنْ هالكٌ كُلٌّ منْ يَحْفَى وينْتَعِلُ(٢) |
وتخفيفُ " أنْ "، ورفع " الحَمْدُ " هي قراءةُ العامة، وقرأ عكرمة(٣)، وأبو مجلز، وأبو حيوة، وقتادة، ومجاهد، وابن يعمر، وبلال بن أبي بردة، وابن محيصن ويعقوب بتشديدها، ونصب " الحَمْد " على أنَّهُ اسمها ؛ وهذه تُؤيِّدُ أنَّها المخففةُ في قراءة العامَّة، وتردُّ على الجُرجاني، ومعنى الآية : أنَّ أهل الجنَّة يفتتحُون كلامهم بالتَّسبيحِ، ويختمُونَهُ بالتَّحْميدِ.
١ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/٣٧..
٢ تقدم..
٣ ينظر: إتحاف ٢/١٠٤-١٠٥، الكشاف ٢/٧٣٣١ المحرر الوجيز ٣/١٠٨، البحر المحيط ٥/١٣٢، الدر المصون ٤/١٠..
٢ تقدم..
٣ ينظر: إتحاف ٢/١٠٤-١٠٥، الكشاف ٢/٧٣٣١ المحرر الوجيز ٣/١٠٨، البحر المحيط ٥/١٣٢، الدر المصون ٤/١٠..