ﭖﭗﭘﭙ

الحمد لله رب العالمين (١)
١٠- الحمد لله ومعناه : أن الشكر لله، إذ النعم من الله. ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر- لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل- ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. [ نفسه : ١/١٩٧ ].
١١- وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته سبحانه وتعالى، فما كان من أسماءه متضمنا الإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحتها، فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه، وأثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه، وكل جلال أدركناه، وراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم، قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا الله أكبر. [ روضة الطالبين وعمدة السالكين ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم٢ ص : ٦٦-٦٧ ].
١٢- لو أدرجت الباقيات الصالحات(٢) في كلمة على سبيل الإجمال وهي : الحمد لله لاندرجت فيها، كما قال السيد الجليل والإمام الحفيل(٣) علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " لو شئت أن أوقر بعيرا من قول الحمد لله لفعلت " فإن الحمد لله : هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن إدراك الإدراك، وتارة بإثبات التفرد بالكمال، والتفرد والكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. [ نفسه : ٦٧-٦٨ ].
وقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف واللام فيها لاستغراق جنس المدح، والحمد ما علمناه وجهلناه، ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه، ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من أهل الملك، إلا من خذله الله واتبع هواه وكان أمره فرطا، وعصا مولاه أولائك قوم قد غمرهم ذل الحجاب وطردوا عن الباب، وأبعدوا عن ذلك الجناب، وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته.
١٣- وقوله : الحمد لله رب العالمين يشتمل على شيئين :
أحدهما : أصل الحمد وهو الشكر، وذلك أول الصراط المستقيم، وكأنه شطره. فإن الإيمان العملي نصفان : نصف صبر، ونصف شكر، كما تعرف حقيقية ذلك إن أردت معرفة ذلك باليقين من كتاب " إحياء علوم الدين "، لاسيما من كتاب " الشكر " و " الصبر " منه(٤). وفضل الشكر على الصبر، كفضل الرحمة على الغضب، فإن هذا يصدر عن الارتياح وهزة الشوق وروح المحبة، وأما الصبر على قضاء الله فيصدر عن الخوف والرهبة، ولا يخلو عن الكرب والضيق. وسلوك الصراط المستقيم إلى الله تعالى بطريق المحبة وأعمالها أفضل كثيرا من سلوك طريق الخوف، وإنما يعلم سر ذلك من كتاب " المحبة والشوق " (٥) من جملة كتاب " الإحياء " ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يدعى إلى الجنة الحمادون لله على كل حال " (٦).
والثاني : قوله تعالى : رب العالمين إشارة إلى الأفعال كلها، وإضافتها إليها بأوجز لفظ وأئمة إحاطة بأصناف الأفعال لفظ رب العالمين . وأفضل النسبة من الفعل إليه نسبة الربوبية، فإن ذلك أتم وأكمل في التعظيم من قولك : " أعلى العالمين " " وخالق العالمين ".

١ - ن. تفسير قوله تعالى: الرحمان الرحيم من سورة الفاتحة ص: ١٠..
٢ - الباقيات الصالحات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ن روضة الطالبين وعمدة السالكين ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم٢ ص ٦٦..
٣ - يقال : ذو حفيل في أمره أي ذو اجتهاد. اللسان (حفل)..
٤ - ن الإحياء: ٤/٦٣ وما بعدها و ٤/ ٨٦ وما بعدها..
٥ - نفسه: ٤/٣١١ وما بعدها..
٦ -أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في "الشعب" من حديث ابن عباس وفيه قيس بن الربيع ضعفه الجمهور. ن المغني بهامش الإحياء ٤/ ٨٦..

جهود الإمام الغزالي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير