(الحمد لله) هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد التبجيل، وبهذا فارق المدح، وقال الزمخشري إنهما أخوان، والحمد أخص من الشكر مورداً، وأعم منه متعلقاً، وبه صرح في الفائق، لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير مترادفين بل متشابهان معنى أو اشتقاقاً كبيراً، وتعريفه لاستغراق إفراد الحمد، وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل، فيكون الحصر ادعائياً، ورجح الزمخشري أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا الإستغراق، وإليه نحا أبو السعود، والصواب ما ذكرناه وعليه الجمهور.
وقد جاء في الحديث " اللهم لك الحمد كله " (١) قال ابن جرير الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال قولوا الحمد لله، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلاً على ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر، قال ابن كثير وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، انتهى.
ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا إلى معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين فإن ذلك لا يرد على ابن جرير ولا تقوم به الحجة هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة شرعية فإن ثبتت وجب تقديمها.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة الشكر،
_________
(١) ورد أحاديث كثيرة فيها هذا اللفظ ومنها ما أخرجه مسلم ٧٦٩ - ٤٧٦.
وإذا قال العبد الحمد لله قال الله: شكرني عبدي (١)، وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال النبي - ﷺ -: " إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك ".
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابى في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده " (٢) وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: " سرقت ناقة رسول الله - ﷺ - فقال: لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوم أو صلاة فظنوا أنه نسي، فقالوا يا رسول الله كنت قد قلت لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي؛ قال ألم أقل الحمد لله ".
وقد ورد في فضل الحمد أحاديث: منها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه البخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال أما إن ربك يحب الحمد (٣).
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله) (٤).
_________
(١) وفي الحديث الطويل لمسلم ٣٩٥/قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي.... قال الله حمدني عبدي.
(٢) الدارقطني ١٠/ ٣١١.
(٣) ضعيف الجامع/٢٧٨٩.
(٤) صحيح الجامع ١/ ١١١٥ - الأحاديث الصحيحة/١٤٩٧. ابن حبان/٢٣٢٦.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - " ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد أفضل منها " وأخرج مسلم والنسائي وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول - ﷺ - " الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان " (١) وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما شيء أحب إلى الله من الحمد "، وفي الباب أحاديث.
وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " (٢) وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " (٣).
وإيثار الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت؛ وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث متجدد كما تفيده قراءة النصب.
(رب العالمين) قال في الصحاح الرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك وقال الزمخشري " الرب " المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه قال القرطبي والرب السيد ومنه قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) وفي الحديث " أن تلد الأمة ربتها " (٤) والرب المصلح والمدبر والمربي والجابر والقائم قال والرب المعبود.
والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لما يعلم به غلب فيما يعلم
_________
(١) صحيح الجامع/٣٨٥٢.
(٢) ضعيف الجامع/٤٢٢١.
(٣) صحيح الجامع/١٨١٢ - الأحاديث الصحيحة/١٦٥١. مسلم ٨/ ٨٧ الترمذي ١/ ٣٣٤ أحمد ٣/ ١٠٠.
| (٤) مسلم ٨/من الحديث الجامع عن عمر بن الخطاب بينا نحن جلوس عند رسول الله | وانظر الأربعين نووية الحديث الأول. |