ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد( (١) ) هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون( ٥٢ ) :
وهذا إخبار عن العذاب القادم لمن كفروا ويلقونه في اليوم الآخر، فهم بكفرهم قد ظلموا أنفسهم في الدنيا، وسيلقون العذاب في الآخرة، وهو عذاب الخلد أي : عذاب لا ينتهي.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله : هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون . أي : أن الحق سبحانه لم يظلمهم، فقد بلغهم برسالة الإيمان عن طريق رسول ذي معجزة، ومعه منهج مفصل مؤيد، وأمهلهم مدة طويلة، ولم يستفيدوا منها ؛ لأنهم لم يؤمنوا.
إذن " فسيلقون عذاب الخلد، وقد جاء سبحانه هنا بخبر عذاب الخلد ؛ لأن عذاب الدنيا موقوت، فيه خزي وهوان، لكن محدوديته في الحياة يجعله عذابا قليلا بالقياس إلى عذاب الآخرة المؤبد.
وجاء الحق سبحانه بأمر عذاب الخلد كأمر من كسبهم، والكسب زيادة عن الأصل، فمن يتاجر بعشرة جنيهات، وقد يكسب خمسة جنيهات.
وهنا سؤال : هل الذي يرتكب معصية يكسب زيادة عن الأصل ؟ نعم ؛ لأن الله سبحانه حرم عليه أمرا، وحلله هو لنفسه، فهو يأخذ زيادة في التحليل، وينقص من التحريم وهو يظن أنه قد كسب( (٢) ) بمفهومه الوهمي الذي زين له مراد النفس الأمارة، وهذا يعني انه ينظر إلى واقع اللذة في ذاتها، ولا ينظر إلى تبعات( (٣) ) تلك اللذة، وهو يظن أنه قد كسب، رغم أنه خاسر في حقيقة الأمر.
٢ قال الله تعالى:لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..(٢٨٦)[البقرة] فالذي يحلل الحرام وأدخله على نفسه عليه أن يحتمل التبعات المترتبة على هذا، فله بعمله الصالح الكسب، وعليه بعمله الشيء جزاء ما اكتسب..
٣ تبعة الشيء: نتيجته وعاقبته وما يترتب عليه من أثر.[المعجم الوسيط: مادة (ت ب ع)]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي