ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

قصة موسى عليه السّلام مع فرعون
- ١- الحوار بين موسى وفرعون
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٥ الى ٧٨]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)
المفردات اللغوية:
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد هؤلاء الرّسل. وَمَلَائِهِ قومه أو أشراف القوم.
بِآياتِنا الآيات التّسع. فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها. لَسِحْرٌ مُبِينٌ بيّن ظاهر.
أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ إنه لسّحر، فحذف المحكي بالقول لدلالة ما قبله عليه.
أَسِحْرٌ هذا هو استئناف بإنكار ما قالوه. وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ من تمام كلام موسى، للدّلالة على أنه ليس بسحر، فإنه لو كان سحرا لاضمحلّ، ولم يبطل سحر السّحرة، فهذا دليل من موسى عليه السّلام على أنه ليس بسحر، وإنما السّحر تخييل وتمويه.
لِتَلْفِتَنا لتردّنا وتصرفنا عنه، واللفت والفتل مترادفان. وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ الملك فيها، سمي بها لاتّصاف الملوك بالكبر والتّكبر على الناس باستتباعهم. وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين فيما جئتنا به.
المناسبة:
هذه هي القصّة الثانية المذكورة في سورة يونس، وهي قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، وقد تكرر ذكرها في القرآن للدّلالة على أنّ قوة الحقّ وصوت

صفحة رقم 235

النبّوة يعلوان الملك والحكم والسّلطان، ويقوضان العروش، ويزيلان دعائم الباطل. وهذا هو الفصل الأول من القصة وهو الحوار بين موسى وفرعون.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الأول من قصة موسى عليه السّلام.
والمعنى: ثم بعثنا من بعد تلك الرّسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر وأشراف قومه، أما بقية الناس فهم تبع لهم في الكفر والإيمان، ولذا لم يذكروا.
بعثناهما بآياتنا المذكورة في سورة الأعراف «١» وغيرها، فاستكبروا عن اتّباع الحقّ والانقياد له، وعن الإيمان بموسى وهارون، وكانوا قوما مجرمين أي معتادي الاجرام كفارا ذوي آثام عظام، راسخين في الجريمة والظّلم والإفساد في الأرض.
وأعظم الكبر: أن يتهاون الناس برسالة ربّهم بعد قيام الأدلّة على صحّتها.
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ.. أي فلما جاءهم موسى بالأدلّة الدّالة على الربوبية والألوهية الحقّة، قالوا عنادا وعتوا وحبّا للشّهوات: إن هذا لسحر واضح، قالوا مقسمين على قولهم مؤكدين له بإنّ، واسم الإشارة، واللام في الخبر، والجملة الاسمية. وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل ٢٧/ ١٤].
قالَ مُوسى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ.. قال لهم موسى منكرا عليهم وموبّخا لهم: أتقولون للحقّ الواضح البعيد كلّ البعد عن السّحر الباطل: إنه سحر،

(١) وهي السّنون (أعوام الجدب والقحط) ونقص الأموال، ونقص الأنفس، ونقص الثّمرات، والطّوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدّم، قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ، وَالْجَرادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفادِعَ، وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.. [الأعراف ٧/ ١٣٣]. [.....]

صفحة رقم 236

عجبا لكم أسحر هذا؟! والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه، ولو كان هذا سحرا لاضمحلّ، ولم يبطل سحر السّحرة، ولا يفوز السّاحرون في ساحات الحقائق، وقضايا الدّين، وأصول الحياة، وإقامة الممالك لأن السّحر شعوذة وخفّة يد لا تغير من الحقيقة شيئا. وقولهم: هذا سحر محذوف، والاستفهام بقوله: أتقولون؟ إنكار، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله، فقال: أَسِحْرٌ هذا؟! وحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، منكرا على فرعون وملئه.
فأجابوه إجابة الضعيف المفلس الحجة الذي لا يجد متمسكا له إلا التقليد للآباء والأجداد ووراثة العادات والطقوس الدّينية، فقالوا: قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا.. أي أجئتنا يا موسى لتصرفنا عن دين آبائنا وأجدادنا، ولتكون لكما أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض، أي الرّياسة الدّينية والدّنيوية أو العظمة والملك والسّلطان، وما نحن لكما بمصدقين لكما فيما تدعيانه من دين جديد يغاير دين الأسلاف والآباء، وهذا سبب تكذيب الرّسل دائما.
وقد خاطبوا موسى أولا لأنه كان هو الدّاعي لهم للإيمان بما جاء به، والإقرار بتوحيد الإله، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان. ثم أشركوا معه أخاه في الإفادة من ثمرات الدّعوة وهي النّفوذ والسّلطة والعظمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يختلف شأن فرعون وقومه عمن قبله من الأمم، في تكذيب الأنبياء، وعناد الدّعاة إلى الإيمان بالله، والتّخلص من عبادة الأصنام.
وتمثل هذه القصة شدّة العناد بسبب عظمة السلطان والملك والجاه، أمام شخصين ضعيفين موسى وهارون، وكان موسى قد تربى في بيت فرعون.
ولكن الضعف الشّخصي يزول أمام قوة الاعتزاز بالنّبوة والإيمان، فبالرغم

صفحة رقم 237

من هذا الضعف بادر موسى وهارون إلى دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالله تعالى، والتّرفع عن التّأله وتعظيم ما دون الله.
وأيد الله موسى بآيات تسع سلّطها على أهل مصر، كالقحط المتوالي، ونقص الأنفس والأموال والثّمرات بسبب الأمراض والجوع، والطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم، ومع ذلك لم يؤمن فرعون وقومه، ووصفوا الآيات والمعجزات بالسّحر.
فعجب موسى منهم ووبّخهم منكرا عليهم وصف المعجزة بالسّحر، وناقشهم ببيان الفرق الواضح بين المعجزة والسّحر، فلم يجدوا جوابا مقنعا إلا الارتماء في أحضان التّقليد واتّباع دين الآباء والأجداد، والتّرفع عن الإيمان، واتّهموا موسى وأخاه بأنهما يستهدفان من وراء دعوتهما الوصول إلى السلطة والملك في أرض مصر، ولم يدروا بأن الإيمان بالله وبالأنبياء أسمى وأجل وأقدس من النزعات الشخصية الشهوانية، وحبّ السّلطة والتّسلط، فهذه مظاهر فانية، وأثر الإيمان خالد باق.
والخلاصة:
إن قوم فرعون عللوا عدم قبول دعوة موسى بأمرين:
الأول- التّمسك بالتّقليد: وهو معنى قوله تعالى: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فإنهم تمسكوا بالتّقليد، ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار.
والثاني- الاتّهام بالحرص على طلب الدّنيا والوصول إلى الرّياسة: وهو معنى قوله تعالى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ أي يكون لكما الملك والعزّ في أرض مصر، والخطاب هنا لموسى وهارون، ولما ذكروا هذين السّببين صرحوا بالحكم وقالوا: وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ.

صفحة رقم 238

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية