ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون( ١ )( ٩٣ ) :
وكلمة " تبوأ " تعني إقامة مباءة أي : البيوت التي يكون فيها السكن الخاص، وإذا أطلقت كلمة " مبوأ " فهي تعني الإقليم أو الوطن.
والوطن أنت تتحرك فيه وكذلك غيرك، أما البيت فهو للإنسان وأسرته كسكن خاص.
أما الثري فقد يكون له جناح خاص في البيت، وقد يخصص الثريُّ في منزله جناحا لنفسه، وآخر لولده وثالثا لابنته.
أما غالبية الناس فكل أسرة تسكن في " شقة " قد تتكون من غرفة أو اثنتين أو ثلاثة حسب إمكانات الأسرة.
إذن : فيوجد فرق بين تبوّء البيوت وتبوء المواطن، فتبوّء المواطن هو الوطن.
وسبق أن قال الحق سبحانه لموسى وهارون عليهما السلام : أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا.. ( ٨٧ ) [ يونس ]. هذا في التبوء الخاص، أما في التبوء العام فهو يحتاج إلى قدرة الحق تعالى، وهو سبحانه يقول هنا : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق.. ( ٩٣ ) [ يونس ]
والحق سبحانه أتاح لهم ذلك في زمن موسى-عليه السلام-وأتاح لهم السكن في مصر والشام، وهو سبحانه القائل : سبحانه الذي أسرى( ٢ ) بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله.. ( ١ ) [ الإسراء ] وما دام الحق سبحانه قد بارك حوله فلا بد أن فيه خيرا كثيرا، ولا بد أن تكون الأرض التي حوله مبوأ صدق.
وكلمة " الصدق " تعني جماع الخير والبر ؛ ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سئل : أيكون المؤمن جبانا ؟ قال :" نعم ". وحين سئل : أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال :" نعم ". وحين سئل : أيكون المؤمن كذابا ؟ قال :" لا " ( ٣ ).
ولذلك فأنت تجد في الإسلام عقوبة على الزنا، وعقوبة تقام على السارق( ٤ )، أما الكذب فهو خصلة لا يقربها المسلم ؛ لأن عليه أن يكون صادقا. وكل خصال الخير هي مبوأ الصدق.
ولذلك نجد قول الحق سبحانه : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق( ٥ )( ٨٠ ) }[ الإسراء ].
وقول الحق سبحانه : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم( ٦ ).. ( ٢ ) [ يونس ].
وقول الحق سبحانه : واجعل لي لسان صدق في الآخرين( ٧ )( ٨٤ ) [ الشعراء ]. أي : اجعل لي ذكرى حسنة فلا يقال فلان كان كاذبا، وأما قدم الصدق فهي سوابق الخير التي يسعى إليها ؛ ولذلك كان الجزاء على الصدق هو ما يقول عنه الحق سبحانه : في مقعد صدق عند مليك مقتدر( ٨ )( ٥٥ ) [ القمر ] : وهو مقعد عند مليك لا يبخل، ولا يجلس في رحابه إلا من يحبه، ولا يضن بخيره على من هم في رحابه.
ومقعد الصدق هو جزاء لمن استجاب له ربه فأدخله مدخل صدق، وأخرجه مخرج صدق، وجعل له لسان صدق، وقدم صدق.
وبعد أن بوّأ الحق سبحانه بني إسرائيل مبوّأ صدق، في مصر والشام وبعد أن قال لهم : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم( ٩ ).. ( ٦١ ) [ البقرة ] : أي : أن الحق سبحانه حقق قوله : ورزقناهم من الطيبات.. ( ٩٣ ) [ يونس ] : وأنجاهم من فرعون، وكان من المفترض أن تستقيم أمورهم.
ويقول الحق سبحانه : فما اختلفوا حتى جاءهم العلم.. ( ٩٣ ) [ يونس ] : والمقصود بذلك هو معرفتهم بعلامات الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من ترقب مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ليؤمن به، ومنهم من تمادى في الطغيان ؛ لذلك قطعهم الله-سبحانه-في الأرض أمما.
وحين ننظر إلى دقة التعبير القرآني نجده يحدد مسألة التقطيع هذه، فهم في كل أمة يمثلون قطعة، أي : أنه سبحانه لم يذبهم في الشعوب. بل لهم في كل بلد ذهبوا إليه مكان خاصّ بهم، ولا يذوبون في غيرهم.
والحق سبحانه يقول : وقلنا من بعده( ١٠ ) لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. ( ١٠٤ ) [ الإسراء ]. وقد يقول أحد السطحيين : وهل هناك سكن في غير الأرض ؟
ونقول : لنا أن نلحظ أن الحق سبحانه لم يحدد لهم في آية بقعة الأرض يسكنون، فكأن الحق سبحانه قد بين ما أصدره من حكم عليهم بالتقطيع في الأرض أمما ؛ فهو سبحانه القائل : وقطعناهم في الأرض أمما( ١١ ).. ( ١٦٨ ) [ الأعراف ]
وإذا كنا نراهم في أيامنا هذه وقد صار لهم وطن، فاعلم أن الحق سبحانه هو القائل :
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا( ٤ ) [ الإسراء ].
وقد قال في آخر سورة الإسراء : وقلنا من بعده لني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا( ١٢ ) ( ١٠٤ ) [ الإسراء ] : والمجيء بهم لفيفا إنما يعني أن يجمعهم في وطن قومي لتأتي لهم الضربة القاصمة التي ذكرها الحق سبحانه في قوله : .. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا( ١٣ )( ٧ ) [ الإسراء ] : لأننا لن نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي قطعهم الله فيها، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد، إنما يسهل أن ينزل عليهم قضاء الله.
وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن " يثرب " كانت المكان الذي اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها، وحين اجتمعوا في يثرب صار لهم الجاه ؛ لأنهم أهل علم، وأهل اقتصاد، وأهل حرب.
وهم قد اجتمعوا في المدينة ؛ لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان ؛ فمكثوا فيها انتظارا له، وكانوا يقولون لكفار قريش :" لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبع، ونقتلكم فيه قتل عاد وإرم " ( ١٤ ).
وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم، لكنه ما إن أطل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور رسالته حتى أنكروه خوفا على سلطتهم الزمنية.
وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها : فما اختلفوا حتى جاءهم العلم.. ( ٩٣ ) [ يونس ] : أي : أن علمهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم هو مصدر اختلافهم، فمنهم من سمعوا إشارات عنه صلى الله عليه وسلم وعرفوا علاماته صلى الله عليه وسلم ؛ فآمنوا به، ومنهم من لم يؤمن به.
وهم لم يختلفوا من قبل وكانوا متفقين، وتوعّدوا المشركين من قريش. وما إن أهلّ الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمت به " الأوس " و " الخزرج " أنه رسول من الله تعالى قد ظهر بمكة، فقالت الأوس والخزرج : إنه النبي الذي توعّدتنا به يهود، فهيا بنا لنذهب ونسبقهم إليه قبل أن يسبقونا فيقتلونا به.
فكان اليهود هم الذين تسببوا في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ لأن الأوس والخزرج سبقوهم إليه ؛ وهذا لنعلم كيف ينصر الله تعالى دينه بأعدائه.
ولذلك نجد أنهم في اختلافهم يأتي عبد الله بن سلام( ١٥ ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : إن اليهود قوم بهت، وإذا أنا آمنت بك يا رسول الله سيقولون فيّ ما يسيء إليّ ؛ لذلك فقبل أن أعلن إسلامي اسألهم عنّي.
وكان ابن سلام في ذلك يسلك سلوكا يتناسب مع كونه يهوديا، ولما اجتمع معشر اليهود، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما تقولون في ابن سلام ؟
قالوا : حبرنا وشيخنا وهو الورع فينا، وبعد أن أثنوا عليه ثناء عظيما، قال ابن سلام : يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وهنا بدأ اليهود يكيلون له السّباب، فقال ابن سلام : ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت( ١٦ ) ؟
إذن : فمعنى قوله سبحانه : فما اختلفوا حتى جاءهم العلم.. ( ٩٣ ) [ يونس ] : أي : أن أناسا منهم بقوا على الباطل، وأناسا منهم آمنوا بالرسول الحق صلى الله عليه وسلم.
وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى : .. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون( ٩٣ ) [ يونس ] : أي : أن الله سبحانه وتعالى سوف يقضي بين من جاءوا في صف الإيمان، وبين من بقوا على اليهودية المتعصبة ضد الإيمان.
ونحن نلحظ أن كلمة " بينهم " توضح أن الضمير عام، لهؤلاء ولأولئك.
ونقول : إن الحق سبحانه وتعالى يقضي يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، ويقضي أيضا بين الكافرين، فمنهم من كان ظالما لكافر، ومنهم من كان مختلسا أو مرتشيا، ومنهم من عمل على غير مقتضى دينه ؛ لذلك يقضي الله سبحانه بينهم.
والآية تفيد العموم في القضاء ماضيا وحاضرا ومستقبلا بين كل مؤمن وكافر، وبين كل تائب وعاص.

١ بوأنا: أنزلنا. مبوأ صدق: منزل كرامة وهو مصر والشام. فما اختلفوا: بأن آمن بعضهم وكفر بعضهم.[تفسير الجلالين: ص ١٨٧-بتصرف].
.

٢ سبحان الذي أسرى بعبده: تنزيها وتبرئة لله سبحانه وتعالى مما يقول فيه المشركون. والإسراء والسرى: السير في الليل. المسجد الأقصى: بيت المقدس. الذي باركنا حوله: لسكانه في معايشهم وأقواتهم.[مختصر تفسير الطبري: ص ٣١٣]..
٣ أخرجه الإمام مالك في موطئه (ص ٩٩٠) من حديث صفوان بن سليم مرسلا..
٤ قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم معينة هي جرائم الحدود، وهي: الزنا، والقذف، والسرقة، والسكر، والمحاربة، والردة، والبغي؛ وذلك لتحقيق صيانة المجتمع من نواحي: الدين، العقل، المال، العرض، النفس. ولكل جريمة من هذه الجرائم شروط يجب توافرها ليتم تنفيذ العقوبة الخاصة بها. انظر تفصيل هذا في كتب الفقه (أبواب الحدود)..
٥ وقل رب أدخلي مدخل صدق، أي: أدخلني المدينة إدخالا مرضيا لا أرى فيه ما أكره. وأخرجني: من مكة مخرج صدق: إخراجا لا ألتفت بقلبي إليها.[تفسير الجلالين: ص ٢٥١]..
٦ قدم صدق: سابقة فضل، ومنزلة رفيعة.[كلمات القرآن: للشيخ حسنين محمد مخلوف]..
٧ لسان صدق: ثناء حسنا وذكرا جميلا.[كلمات القرآن]..
٨ مقعد صدق: مكان مرضى.[كلمات القرآن]. عند مليك: ذي ملك. مقتدر: على كل ما يشاء، لا إله إلا هو.[مختصر تفسير الطبري: ص ٦٠٧]..
٩ اهبطوا: انزلوا. مصرا: من الأمصار، أي: بلدا من البلاد..
١٠ من بعده: أي من بعد إغراق فرعون..
١١ أي: فرقناهم في الأرض فرقا.[تفسير الجلالين: ص ١٤٦]..
١٢ لفيفا: جميعا..
١٣ أي: إذا أفسدتم الكرة الآخرة وجاء أعداؤكم ليسوءوا وجوهكم، أي: يهينوكم ويقهروكم وليدخلوا المسجد..(٧) أي: بيت المقدس كما دخلوه أول مرة..(٧) أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار .. وليتبروا ما علوا تتبيرا(٧)أي: يدمروا ويخربوا ما ظهروا عليه تدميرا. بتصرف من تفسير ابن كثير (٣/٢٦) وقد ذكر ابن كثير قول قتادة: قد عاد بنو إسرائيل فسلط الله عليهم هذا الحي محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذا لا ينفي أن يحدث عدة مرات، ولذلك قال رب العزة:وإن عدتم عدنا..(٨)[الإسراء]..
١٤ قال الحق سبحانه:ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين(٨٩)[البقرة] وعن أشياخ من الأنصار قالوا: كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. ذكره ابن كثير في تفسيره(١/١٢٤) نقلا عن ابن إسحاق..
١٥ هو: عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبوة يوسف، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان اسمه الحصين وسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، شهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية. ولما كانت الفتنة بين علي وعاوية اتخذ سيفا من خشب، واعتزلها، وأقام بالمدينة إلى أن مات عام ٤٣ هـ (العلام-للزركلي ٤/٩٠)..
١٦ عن أنس بن مالك أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفا. قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد. قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، عن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا. وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم؛ فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله. أخرجه البخاري في صحيحه(٣٩٣٨) وأحمد في مسنده(٣/٢٧٢، ٢٧١، ١٠٨)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير