ﯟﯠﯡ

قوله : فَوَسَطْنَ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به » أوجه :
أحدها : أنها للصبح.
والثاني : أنها للنَّقع، أي : وسطن النقع الجمع، أي : جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث : الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي : بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل : الباء مزيدة، نقله أبو١ البقاء.
و«جَمْعاً » على هذه الأوجه : مفعول به.
الرابع : أن المراد ب «جمع » «المزدلفة » وهي تسمى جمعاً، والمراد : أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة »، كما مرَّ عن أمير المؤمنين، فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية :[ الوافر ]
٥٢٧٨- *** فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ***٢
وقول بشر بن أبي خازم :[ الكامل ]

٥٢٧٩- فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ٣
و«جَمْعاً » على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به » إما للوقت، أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي : ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في ».
وقال أبو البقاء٤ : إن «جمعاً » حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد ؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد٥ بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى : بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري٦ :«التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً [ البقرة : ٢٥ ] وهي مبالغة في وسطن » انتهى.
وقوله :«وهي مبالغة » تناقض قوله أولاً للتعدية ؛ لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول :«ذبحت الغنم مخففاً »، ثم تبالغ فتقول :«ذبَّحتها » - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.

فصل في معنى الآية


المعنى : فوسطن بركبانهن العدو، أي : الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود :«فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً » يعني «مزدلفة »، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها٧.
ويقال : وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي : صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل، وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ »٨ وقال أيضاً :«ظهرها حرز وبطنها كنز ».
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - :«وما قال جدّكِ ». ؟ قالت :[ الطويل ]
٥٢٨٠-مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل٩
فقال -عليه الصلاة والسلام - : والعاديات ضَبْحاً الآيات، فأسلمت.
١ ينظر الإملاء ٢/١٩٢..
٢ تقدم..
٣ ينظر المفضليات ٦٨٢، والجمهرة (٤٠٢)، والبحر ٨/٥١، والدر المصون ٦/٥٦٠..
٤ الإملاء ٢/٢٩٢..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥١٤، والدر المصون ٦/٥٦٠..
٦ الكشاف ٤/٧٨٧..
٧ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٢٥)..
٨ تقدم تخريجه..
٩ ينظر ديوان امرىء القيس ص ١٩، وإصلاح المنطق ص ٢٥، وجمهرة اللغة ص ١٢٦، وخزانة الأدب ٢/٣٩٧، ٣/٢٤٢، ٣٤٣، والدرر ٣/١١٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/٣٣٩، وشرح التصريح ٢/٥٤، وشرح شواهد المغني ١/٤٥١، والشعر والشعراء ١/١١٦، والكتاب ٤/٢٢٨، والمقاصد النحوية ١/٤٤٩، ورصف المباني ص ٣٢٨، وشرح الأشموني ٢/٣٢٣، وشرح شذور الذهب ص ١٤٠، ومغني اللبيب ١/١٥٤، والمقرب ١/٢١٥، وهمع الهوامع ١/٢١٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية