ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

العبرة العامة في هذه القصص بعذاب الآخرة
إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ( ١٠٣ ) وما نؤخره إلا لأجل معدود ( ١٠٤ ) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ( ١٠٥ ) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ( ١٠٦ ) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ( ١٠٧ ) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ( ١٠٨ ) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ( ١٠٩ )
هذه البضع الآيات في العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء.
وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ أي دائما غير مقطوع، من جذه يجذه [ من باب نصر ] إذا قطعه أو كسره، فهو كقوله تعالى : لهم أجر غير ممنون [ فصلت : ٨ ]، والفرق بين هذا التذييل وما قبله عظيم، فكل من الجزاءين منه تعالى، ومقيد دوامه بمشيئته، ولكنه ذيل هذا بأنه هبة منه، وإحسان دائم غير مقطوع، ولو كان الأول مثله غير مقطوع لما كان فضلا وإحسانا، وقد تكرر وعد الله للمؤمنين المحسنين بأنه يجزيهم بالحسنى وبأحسن مما عملوا، وبأنه يزيدهم من فضله، وبأنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر ذلك إلى سبعمائة ضعف. ولم يعد بزيادة جزاء الكافرين والمجرمين على ما يستحقون، بل كرر الوعد بأنه يجزيهم بما عملوا، وبأن السيئة بمثلها وهم لا يظلمون، وبأنه لا يظلم أحدا، دع ما ورد من الآيات في سعة رحمته، وفي الأحاديث الصحيحة من سبقها لغضبه.
وما قاله العلماء في حل هذا الإشكال غير ظاهر، وخلاصته أن عذاب النار الشديد الأبدي الذي لا نهاية له إنما كان جزاء لأهلها بمثل ما عملوا في سنين أو أشهر معدودة، باعتبار أنهم كانوا عازمين على الاستمرار على كفرهم وظلمهم وفسقهم لو كانوا خالدين في الدنيا، فهو إذن جزاء لهم على نيتهم وعزمهم اه. وإنما كان هذا الجواب غير ظاهر ؛ لأن الجاحدين عنادا واستكبارا من الرؤساء والزعماء هم الذين يصح فيهم العزم على الاستمرار، وهم الأقلون، لما علم بالاختبار والواقع من إيمان أهل مكة ثم أكثر العرب لما زالت الموانع، وظهر لهم منه ما كان خفيا عليهم، على أن قاعدة هذه الشريعة السمحة أن الله لا يؤاخذ من نوى أن يعمل سيئة ولم يعملها، والمعقول في تعليل الخلود في النار هو ما بيناه في سورة الأنعام وغيرها من أن عذاب النار الدائم أثر طبيعي لتدسية النفس بالكفر والظلم والفساد. وسنعود إليه في الخلاصة الإجمالية للسورة إن شاء الله تعالى.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير