ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

قوله تعالى : وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ الآية.
لمَّا ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة، ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة.
أحدهما : تثبيت الفؤاد على أداء الرِّسالة، وعلى الصَّبر واحتمال الأذى ؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية، فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه ؛ كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصص، وعلم أنَّ حال جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه، وأمكنه الصبر عليه.
والفائدة الثانية : قوله وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ .
قوله تعالى : وَكُلاًّ نَّقُصُّ في نصبه أوجه :
أحدها : أنه مفعولٌ به، والمضاف إليه محذوفٌ، عوض منه التنوين، تقديره : وكلُّ نبأ نقصُّ عليك.
و " مِنْ أنباءِ " بيانٌ له أو صفةٌ إذا قُدِّر المضاف إليه نكرة.
وقوله : مَا نُثَبِّتُ بِهِ يجوز أن يكون بدلاً من :" كُلاًّ " وأن يكون خبر مبتدأ مضمر : أي : هو ما نُثَبِّتُ، أو منصوبٌ بإضمار أعني.
الثاني : أنه منصوبٌ على المصدر، أي : كلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، و " مِنْ أنباءِ " صفةٌ : أو بيان، و " ما نُثَبتُ " هو مفعول " نَقُصُّ ".
الثالث : كما تقدم، إلاَّ أنه يجعل " ما " صلة، والتقدير : وكلاًّ نقصُّ من أبناءِ الرُّسُل نُيَبِّتُبه فؤادك، كذا أعربه أبو حيان وقال : كَهِي في قوله : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [ الأعراف : ٣ ].
الرابع : أن يكون " كُلاًّ " منصوباً على الحال من " ما نُثَبِّتُ " وهي في معنى :" جَمِيعاً " وقيل : بل هي حال من الضمير في " بِهِ " وقيل : بل هي حالٌ من " أنْبَاء " وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفش، فإنَّهُ يجيزُ تقديم حال المجرورِ بالحف عليه ؛ كقوله تعالى : والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : ٦٧ ] في قراءة من نصب " مَطويَّاتٍ " وقول الآخر :[ الكامل ]

رَهْطُ ابْنِ كُوزِ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ فِيهِمْ ورهْطُ رَبِيعةَ بْنِ حُذَارِ١
والمعنى : وكل الذي تحتاجُ إليه من أبناء الرسل، أي : من أخبارهم، وأخبار الأمم نقصها عليك ؛ لنثبت به فؤادك ؛ لنزيدك يقيناً، ونقوي قلبك، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصَّبْرِ لأذى قومه.
وَجَآءَكَ فِي هذه الحق قال الحسنُ وقتادةُ : في هذه الدنيا٢. وقال الأكثرون : في هذه السورة خص هذه السورة تشريفاً، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور.
وقيل : في هذه الآية.
والمراد به " الحق " البراهين الدَّالة على التَّوحيدِ والعدلِ والنبوة، " مَوْعظةٌ " أي : وجاءتك موعظة " وذكْرى للمُؤمنينَ " والمرادُ ب " الذكرى " الأعمال الباقية الصالحة في الدَّار الآخرة.
١ البيت للنابغة الذبياني. ينظر: ديوانه ص ٥٥ وجمهرة اللغة ص٨٢٥ والمقاصد النحوية ٣/١٧٠ وشرح الأشموني ١/٢٥٢ والخزانة ٦/٣٣٣ والدر المصون ٤/١٤٩..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/١٤٤) عن قتادة والحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٦٤٦) عن قتادة وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وذكره أيضا (٣/٦٤٦) عن الحسن وعزاه إلى أبي الشيخ..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية