ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

ويقول الحق –سبحانه- بعد ذلك :
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت١ به فؤادك وجاءك في هذه٢ الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ( ١٢٠ ) :
وساعة ترى التنوين في قوله الحق وكلا فاعلم أن المقصود هو قصة كل رسول جاء بها الحق -سبحانه- في القرآن الكريم.
وحين يتكلم الحق –سبحانه وتعالى- عن فعل قد أحدثه ؛ فلنا أن ننظر : هل هذا الفعل مأخوذ من صفة له -سبحانه- أم مأخوذ من اسم موجود ؟ فيحق لنا أن نأخذ الاسم ونأخذ الفعل مثل قوله-تعالى : خلقكم٣.. ( ٧٠ ) [ النحل ] : نعلم منه أنه –سبحانه- خالق، ولكن إن جاء فعل ليس له أصل في أسماء الله الحسنى، فإياك أن تشتق من الفعل اسما لله.
ومثال ذلك قوله –سبحانه : وكلا نقص٤.. ( ١٢٠ ) [ هود ] : والذي يقص هنا هو الله –سبحانه- لكن لا أحد في إمكانه أن يقول : إن الله قصاصا، مثلما لا يحق لأحد أن يقول : إن الله ماكر، رغم أن الله -سبحانه- قد قال : يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين٥ ( ٣٠ ) [ الأنفال ] : وكذلك لا يصح لأحد أن يقولك الله المخادع، رغم أن الحق -سبحانه- قد قال : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم٦.. ( ١٤٢ ) [ النساء ] : وهكذا نتعلم أدب الحديث عن الله المتصف بكل صفات الكمال والجلال ؛ وأن نكتفي بقول : إن مثل هذا الفعل جاء للمشاكلة٧ ما دام ليس له وجود ضمن أسماء الله الحسنى.
وهنا يقول الحق –سبحانه : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل.. ( ١٢٠ ) [ هود ] :
و " أنباء " جمع " نبأ "، وهو الخبر العظيم الذي له أهمية، والذي يختلف به الحال عند العلم به، وأخبار الرسل –عليهم السلام –تتناثر لقطات مختلفة عبر سور القرآن الكريم، موضحة ما جاء به كل رسول معالجا الداء الذي عانى منه قومه، وكذلك ما عاناه كل رسول من عنت القوم المبعوث لهم، وجاء ذكر تلك الأنباء في القرآن لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم : لأن الرسول سيصادف في الدعوة المتاعب والصعاب.
وقد ذكر القرآن بعضا من تلك المواقف، يقول الحق –سبحانه : وزلزلوا٨ حتى يقول الرسول٩ والذين آمنوا معه متى نصر الله.. ( ٢١٤ ) [ البقرة ].
ويقول الحق -سبحانه- مصورا حال المؤمنين١٠ : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت١١ الأبصار وبلغت القلوب الحناجر١٢ وتظنون بالله الظنونا١٣ ( ١٠ ) [ الأحزاب ] : ومثل هذه المواقف تقتضي تثبيت الفؤاد ؛ بمعنى تسكينه على منطق اليقين الإيماني برب أرسل رسولا ليبلغ منهجا، وما كان الله سبحانه ليرسل رسولا ليبلغ منهجا ثم يسلمه لأعدائه.
فإذا ما ذكر له أخبار الرسل والصعاب التي تعرضوا لها تهون عليه المصاعب التي يتعرض لها، ويثبت فؤاده.
و " الفؤاد " هو ما نقول عنه : " القلب "، وهو وعاء العقائد، بمعنى أن المخ يستقبل من الحواس –وسائل الإدراكات من عين ترى، ومن أذن تسمع، ومن أنف يشم. ومن فم يستطعم، ومن كف تلمس- فتتولد المعلومات التي يصنفها المخ، ويرتبها كقضايا عقلية.
ويناقش المخ تلك القضايا العقلية إلى أن تصح القضية العقلية صحة لا يأتي بعدها ما ينقضها، فيسقطها المخ في الفؤاد لتصير عقيدة ؛ لا تطفو بعدها إلى العقل لتناقش من جديد ؛ ولذلك يسمونها " عقيدة " –من العقدة- فلا تتذبذب بعد ذلك.
إذن : فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ عن تمحيصها١٤ تمحيصا وصل فيه إلى الحق، وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة على مقتضاها.
وعلى سبيل المثال : نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله، فيدرس مزايا وعيوب المهن المختلفة ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه ؛ وأحلامه، ثم يدرس المحسات التي استقبلها بحواسه ليمحصها بعقله ؛ وما ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه ؛ ليصير عقيدة يدير بها حركة حياته.
مثال هذا : أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار محرقة، ولكن من أين جاء هذا اليقين في أن النار محرقة ؟ نقول : جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس أن من مسته النار أحرقته.
لا بد -إذن- أن يكون القلب ثابتا ؛ غير مذبذب.
ولذلك يقول الحق –سبحانه : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك.. ( ١٢٠ ) [ هود ] : لأن الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعدا لاستقبال كلمة الحق ؛ وليقبل تنبيه الذكرى، وجلال الموعظة، وكمال الوارد من الحق -سبحانه- وما يأتي من الحق- سبحانه- هو الحق أيضا، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير.
وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة التكليف، ولا بد أن يكون الإنسان على ثقة من حكمة المكلف قبل أن يقبل على التكليف ؛ لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق -سبحانه- وهو قمة الوجود الأعلى –قبل أن تأتي الموعظة١٥، ويكون الإيمان بالوجود الأعلى الذي لا يتغير ولا تطرأ عليه الأغيار هو السابق لمجيء تلك الموعظة.
لأن الموعظة قد تتطلب من الإنسان شيئا يكره أن يلتزم به، وهي هنا صادرة من الحق –سبحانه- الذي خلق، ولا يمكن أن يغش أو يخدع مخلوقاته، ويحملها لك رسول منه –سبحانه.
وقد تكره الموعظة إن صدرت عن إنسان مثلك ؛ لأنه لن يعظك إلا بكمال يتميز به ليعدد نقصا فيك، وإن لم يكن الواعظ يتمتع بالكمال الذي يعظ به ؛ فالموعوظ سيرد على الواعظ قائلا : فلتعظ نفسك أولا.
ولذلك نجد قول الحق- سبحانه : كبر مقتا١٦ عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( ٣ ) [ الصف ] : لأن الواعظ الذي يعظ بما لا يطبقه على نفسه يعطي الحجة للموعوظ ليرفض الموعظة ؛ وليقول لنفسه : " لو كان في هذا الأمر خير لطبقه على نفسه ".
وهكذا بينت الآية الكريمة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثبت، وأيضا موقف المؤمنين برسالته كمذكرين من الرسول بأنهم سيتعرضون للمتاعب ؛ متاعب مشقة التكليف التي سيعاني منها من لا يأخذ التكليف بعمق الفهم.
فقد يرى بعض المكلفين -مثلا- أن الأمر بغض الطرف١٧ حرمان من شهوة طارئة ولا يسبر غور١٨ الفهم بأن في غض الطرف أمرا لكافة المؤمنين أن يغضوا الطرف عن محارمه، وقد يرى في الزكاة أنها أخذ من ماله، ولا يسبر غور الفهم بأن في الزكاة تأمينا له إن مرت عليه الأغيار وصار فقيرا ؛ عندئذ سيقدم له المجتمع الإيمان التأمين الاجتماعي الذي يحميه وعياله من مغبة السؤال.
وعمق الفهم أمر مطلوب ؛ لأن الحق- سبحانه- هو القائل : أفلا يتدبرون١٩ القرآن.. ( ٨٢ ) [ النساء ] : لأنك حين تتدبر المعاني ستعلم أن التكليف هو تشريف لك ؛ وستقول لنفسك : " ما كلفني الله إلا لخير نفسي ؛ وإن ظهر أنه لخير الناس ".
ومن المتاعب أبضا ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد ؛ هؤلاء الذين يعيشون على الانتفاع من المفاسد، ويواجهون كل من يريد أن يقضي على الفساد ؛ لأن الفساد في الأرض لا يعيش إلا إذا وجد منتفع بهذا الفساد ؛ والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لكل مقاوم له.
إذن : فموقف خصوم النبي صلى الله عليه وسلم موقف طبيعي لصالحهم، ولكنهم-لحمقهم- حددوا الصالح بمصالحهم الآنية٢٠ في الحياة الدنيا ؛ ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة نعيما أو عذابا٢١.
ولو أنهم امتلكوا البصيرة ؛ لعرفوا أن من مصلحتهم أن يوجد من يقومهم حتى لا يقدموا لأنفسهم شرا يوجد لهم في الآخرة.
ولو أنهم فطنوا ؛ لعلموا أن الرسول كما جاء لصالح المستضعفين المستغلين بالفساد ؛ جاء أيضا لصالحهم، ولو أنهم كانوا على شيء من التعقل ؛ لكانوا من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولكان من الواجب عليهم كلما حدثتهم أنفسهم بالسعي إلى الفساد ؛ وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينتظرهم نتيجة لهذا الفساد ؛ أن يتبعوه وأن يشكروه ؛ لأنه خلصهم من طاقة الشر الموجودة فيهم.
وهنا يوضح الحق -سبحانه- لرسوله : أنت لست بدعا من الرسل٢٢، وكل رسول تعرض للمتاعب مثلما تتعرض أنت لمثلها٢٣، وأنت الرسول الخاتم، ولأن الدين الذي جئت به لن يأتي بعده دين آخر ؛ لذلك لابد أن تتركز المتاعب كلها معك ؛ فكن على ثقة تماما أنك مصادف للمتاعب.
ولذلك نثبت فؤادك بما نقصه عليك من أنباء الرسل ؛ لأن هذا الفؤاد هو الذي سيستقبل الحقائق الإيمانية من قمة " لا إله إلا الله " إلى أن يكون ذكرى تذكرك والمؤمنين معك.
وهكذا بينت الآية موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثبت ؛ وموقف المؤمنين كمذكرين من الرسول ؛ لأنهم سيتعرضون للمتاعب أيضا.
ونحن نعرف جميعا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار حين بايعوه في العقبة على نصرته، وقالوا : إن نحن وفينا بما عاهدناك عليه ؛ فماذا يكون لنا ؟ ولم يقل لهم صلى الله عليه وسلم :( ستملكون الدنيا، وستصبحون سادة الفرس والروم )، بل قال لهم :( لكم الجنة )٢٤.
لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم من سيموت قبل أن تتحقق تلك الانتصارات ؛ لذلك وعدهم بالقدر المشترك الذي يتساوى فيه من يموت بعد إعلانه للإيمان، وبين من سيعيش ليشهد تلك الانتصارات.
وهكذا تبينا كيف تضمنت الآية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيفية إعداد هذا الفؤاد لاستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه.
هذا هو الطرف الأول فماذا عن الطرف الثاني ؛ الطرف المكذب للرسول ؟
كان ولا بد أن يتكلم الحق –سبحانه- هنا عن المكذبين للرسول ؛ لأن استدعاء المعاني يجعل النفس قابلة للسماع عن الطرف الآخر.
ومادام الحق -سبحانه- قد تكلم عن تثبيت وعاء الاستقبال، والموعظة، وتذكير المؤمنين ؛ لحظة أن تخور٢٥ منهم العزائم، فلا بد –إذن-أن يتكلم-سبحانه- عن القسم الآخر ؛ وهو القسم المكذب، فيوضح –سبحانه-لرسوله أن له أن يتحداهم ولا يتهيب.
يقول الحق –سبحانه :
وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم٢٦ إنا عاملون ( ١٢١ ) :

١ ثبته: جعله ثابتا متمكنا، قال تعالى: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (٧٤) [الإسراء] أي: جعلناك ثابتا ودفعنا عنك أسباب الضعف [القاموس القويم: ١/ ١٠٥]..
٢ - قوله تعالى: في هذه الحق..(١٢٠) [هود]: "أي هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن في رواية عنه وقتادة: في هذه الدنيا، والصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءت فيها قصص حق، ونبأ صدق وموعظة يرتدع بها الكافرون وذكرى يتذكر بها المؤمنون" قاله ابن كثير في تفسيره [٢/ ٤٦٥]..
٣ - يقول رب العزة سبحانه: والله خلقكم ثم يتوفاكم..(٧٠) [النحل].
٤ - قص الكلام أو الأخبار: يقصها قصا وقصصا تتبعها ورواها وحكاها، قال تعالى: فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف.. (٢٥) [القصص] وقص الأمر قصا تتبعه، ومنه قوله تعالى: فارتد على آثارهما قصصا..(٦٤) [الكهف]. والقصص مصدر يطلق على ما يروى من الأخبار، ومنه قوله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص..(٣) [يوسف] [القاموس القويم بتصرف جـ ٢ ص ١٢٠..
٥ -مكر يمكر مكرا: دبر الشر لغيره في خفية واحتيال، قال تعالى: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة..(١٢٣) [الأعراف]، وقال تعالى: إذا لهم مكر في آياتنا..(٢١) [يونس] أي تدبير سيء بقصد صرفها عن وجهها وصد الناس عنها. وإذا أسند المكر إلى الله سبحانه فمعناه إبطال مكر الماكرين وإيقاع العقوبة بهم من حيث لا يشعرون كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (٥٤) [آل عمران]، وقوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (٥٠) [النمل] [القاموس القويم: ٢/ ٢٣١، ٢٣٢]..
٦ - خدعه يخدعه خدعا وخديعة: أظهر له خلاف ما يخفيه ليوقعه في مكروه من حيث لا يعلم، قال تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله..(٦٢) [الأنفال] وخادعه: خدعه أو حاول ذلك قال تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم...(١٤٢) [النساء] أي: يظهرون الإيمان نفاقا ليخدعوا الله ورسوله والمؤمنين، والله مبطل خداعهم، وكاشف أمرهم، ومعاقبهم على خداعهم [القاموس القويم: ١/ ١٨٨]..
٧ - "المشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، فالأول: كقوله تعالى: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك..(١١٦) [المائدة]، وقوله: ومكروا ومكر الله..(٥٤) [آل عمران]، فإن إطلاق النفس والمكر في جانب البارئ تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه. ومثال التقديري قوله تعالى: صبغة الله..(١٣٨) [البقرة] أي: تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس، فعبر عن الإيمان بـ "صيغة الله" للمشاكلة بهذه القرينة" الإتقان للسيوطي [٣/٢٨٢]..
٨ - زلزل الشيء: حركه حركة عنيفة مكررة، قال تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها (١) [الزلزلة] أي: أصابها الزلزال عند قيام الساعة، وقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (١) [الحج]. وقوله تعالى: وزلزلوا زلزالا شديدا (١١) [الأحزاب] أي: أزعجوا وخافوا وقلقوا واضطربوا شديدا- على التشبيه بالشيء المادي. [القاموس القويم: ١/ ٢٨٨]..
٩ - قال القرطبي في تفسيره [١/٩٤٩]: (الرسول هنا شعيبا في قول مقاتل، وهو اليسع وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ وروى عن الضحاك قال: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وعليه يدل نزول الآية. والله أعلم..
١٠ - وذلك في غزوة الأحزاب، في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور، وفيها تحالفت قريش ومن تابعها مع يهود بني النضير وبنمي قريظة، فكان مجموعهم عشرة آلاف، أما المسلمون فكانوا ثلاثة آلاف، وظل المسلمون محاصرين داخل المدينة قريبا من شهر. [باختصار من تفسير ابن كثير [٣/ ٤٧٠]]..
١١ - زاغ يزيغ زيغا وزيغانا: مال عن القصد، وزاغ البصر: اضطرب ولم يحقق ما يرى، أو انحرف عن القصد فلم ير شيئا. قال تعالى: ما زاغ البصر وما طغى (١٧) [النجم] أي: ما انحرف بصر الرسول صلى الله عليه وسلم عن رؤية الملك، ولا طغى فرأى أكثر مما أمامه، بل رأى الملك رؤية صادقة، وقوله تعالى في وصف فزع بعض الناس في المدينة حين أحاطت بهم الأعداء في غزوة الأحزاب: وإذا زاغت الأبصار..(١٠) [الأحزاب] أي: اضطربت لشدة الفزع، [القاموس القويم: ١/ ٢٩٤] بتصرف..
١٢ - الحنجرة –في اللغة-: الحلقوم والحلق، وهي علميا تسمى القصبة الهوائية، ويمر منها النفس زفيرا وشهيقا، قال تعالى: وبلغت القلوب الحناجر..(١٠) [الأحزاب] كناية عن شدة الكرب والضيق..
١٣ - الظنون: ما يحصل في النفس عن أمارة فهو شك راجح، وفعله من أفعال الرجحان – من باب نصر- والظن: مصدر، والظن: اسم لهذا الخاطر الذي يحصل في النفس، قال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (٢٨) [النجم] وجمعه: ظنون، وقرئ: وتظنون بالله الظنونا (١٠) [الأحزاب] الظنونا- يألف في الوصف، وفي الوقف –وبغير ألف قراءة. [القاموس القويم: ١ /٤١٧ ]..
١٤ - محص الشيء ومحصه: خلصه من عيوبه، يقال: محص المعدن بالنار: خلصه مما يشوبه، ومحص السيف، جلاه، ومحص الله التائب من الذنوب: طهره منها. ومحص فلانا: امتلاه واختبره [المعجم الوسيط]..
١٥ - الموعظة: ما يوعظ به من قول أو فعل، قال تعالى: وموعظة للمتقين (٦٦) [البقرة] وقوله تعالى: وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..(١٢٥) [النحل] ووعظه يعظه وعظا وعظة: نصحه بالطاعة وأرشده إلى فعل الخير [القاموس القويم بتصرف ٢/ ٣٤٥]..
١٦ - مقته يمقته مقتا: أبغضه بغضا شديدا؛ لأمر قبيح فعله.
ومقت الله: غضبه وانتقامه وعذابه، كقوله تعالى: إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم..(١٠) [غافر] أي: أن غضب الله عليكم أكبر من بغض بعضكم بعضا. وانتقام بعضكم من بعض، وقوله تعالى: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (٢٢) [النساء] أي: أن زواج من سبق أن تزوجها الأب يعتبر فعلة فاحشة شديدة القبح، وتكون سببا في مقت الناس وبغضهم الشديد لمرتكبها، وسببا في مقت الله وغضبه وانتقامه من فاعلها؛ لأنها عقوق بالآباء وخلط للأنساب [القاموس القويم: ٣/٢٣١]..

١٧ - الطرف: جانب العين، ويطلق على العين وعلى البصر، قال تعالى: ينظرون من طرف خفي..(٤٥) [الشورى] أي: من جانب العين في خفاء، وقوله تعالى: وعندهم قاصرات الطرف عين (٤٨) [الصافات] أي: غاضات البصر من العفة، وقوله تعالى: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك..(٤٠) [النمل] أي: بصرك، أي مقدار غمضة العين وفتحها. [القاموس القويم، مادة: طرف]..
١٨ - سبره سبرا: حزره، أو خبره، يقال: سبر الجرح: قاس غوره بالمسبار، وسبر فلانا: خبره ليعرف ما عنده والغور: كل منخفض من الأرض، والغور من كل شيء قعره وعمقه، يقال: سبر غوره: تبين حقيقته وسره. ويقال: فلان بعيد الغور: داهية، وماء غور: غائر وفي التنزيل العزيز قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (٣٠) [الملك] [المعجم الوسيط: مادة [سبر]، [وغور]]..
١٩ - دبر الأمر: نظر في عواقبه وأدباره ليقع على ما يرى فيه الخير له، وقوله تعالى: ثم استوى على العرش يدبر الأمر..(٣) [يونس] أي: يقضيه ويقدره وينفذه على حسب حكمته وإرادته، وقوله تعالى: فالمدبرات أمرا (٥) [النازعات] هم الملائكة يدبرون أمور الخلق بإذن الله وبمقتضى حكمته وإرادته.
وتدبر: تأمل في أدبار الأمور وعواقبها، أو تأمل ليعرف حقائق الأمور، قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) [محمد] أي: هل عجزوا وعموا فلا يتأملون معاني القرآن، ويبصرون ما فيها من حكم بالغة فيؤمنون به- وبين همزة الاستفهام وفاء العطف فعل محذوف دائما فسرناه هنا بقولنا: أعجزوا فلا يتدبرون- وقوله تعالى: أفلم يدبروا القول..(٦٨) [المؤمنون] أي: أعجزوا فلم يدبروا، والأصل: يتدبروا، قلبت التاء دالا، وأدغمت في الدال. [القاموس القويم: ١/ ٢٢١].
.

٢٠ - المصالح الآنية: العاجلة، نسبة إلى (الآن) وهو الأمر العاجل الحال، وهو ظرف للوقت الحاضر معرف بأل دائما، ومبنى على الفتح، قال تعالى: قالوا الآن جئت بالحق..(٧١) [البقرة] [القاموس القويم ١/ ٤٥]..
٢١ - ولذلك قال عنهم رب العزة: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (٧) [الروم] ثم يلفت الحق نظرهم إلى الكون وما فيه وإلى عاقبة المكذبين فيقول: أو لم يتفكروا في أنفسهم ما حلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (٨) أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٩) ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون (١٠) [الروم]..
٢٢ - يقول رب العزة سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم..(٩) [الأحقاف] أي: ما كنت مبتدعا من تلقاء نفسي ما أدعو إليه، إن أتبع إلا ما يوحى إلي..
٢٣ - يقول الحق سبحانه مخاطبا نبيه: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبون ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (٣٣) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين [٣٤] [الأنعام]..
٢٤ - كان ذلك في بيعة العقبة الثانية وهي الكبرى، وذلك أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نكهة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: "الجنة" قالوا: أبسط يدك فبسط يده فبايعوه [سيرة النبي لابن هشام ٢/ ٥٥]..
٢٥ - الخور: الضعف، خار الرجل: ضعف وانكسر، والخوار: الضعيف الذي لا بقاء له على الشدة [لسان العرب- مادة: خور]..
٢٦ - المكانة: رفعة الشأن والرزانة والتؤدة، قال تعالى: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم..(١٣٥) [الأنعام] أي: برزانة وتؤدة وتبصر، وقرئ: "على مكاناتكم" بالجمع. [القاموس القويم ٢/ ٢٣٢].
والمكانة: الحالة التي يكون عليها المرء من قدرة أو عجز أو إيمان أو كفر، ومن ذلك قوله تعالى: اعملوا على مكانتكم..(٩٣) [هود] أي: على الحالة التي أنتم عليها، وقوله تعالى: لمسخناهم على مكانتهم..(٦٧) [يس] أي: على الحالة التي هم عليها حين عنادهم وكفرهم. [القاموس القويم: ٢/ ١٧٩، ١٨٠]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير