والتنوين في وَكُلاًّ للتعويض عن المضاف إليه، وهو منصوب بنقصّ، والمعنى : وكل نبأ من أنباء الرسل مما يحتاج إليه نقصّ عليك : أي، نخبرك به. وقال الأخفش : كَلاَّ حال مقدّمة كقولك : كلاً ضربت القوم، والأنباء الأخبار مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ أي : ما نجعل به فؤادك مثبتاً بزيادة يقينه بما قصصناه عليك، ووفور طمأنينته، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم، وجملة : مَا نُثَبّتُ بدل من أنباء الرسل، وهو بيان لكلا، ويجوز أن يكون مَا نُثَبّتُ مفعولاً لنقصّ، ويكون كلاً مفعولاً مطلقاً، والتقدير : كل أسلوب من أساليب الاقتصاص نقصّ عليك ما نثبت به فؤادك وَجَاءكَ فِي هذه الحق أي : جاك في هذه السورة، أو في هذه الأنباء البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد وَمَوْعِظَةً يتعظ بها الواقف عليها من المؤمنين وذكرى يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخصّ المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر.
وقيل : المعنى : وجاءك في هذه الدنيا الحق، وهو النبوّة، وعلى التفسير الأوّل، يكون تخصص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع كونه قد جاء في غيرها من السور، لقصد بيان اشتمالها على ذلك، لا بيان كونه موجوداً فيها دون غيرها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ قال : في ملكهم وتجبرهم، وتركهم الحق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ من طريق ابن جريج، قال : قال ابن عباس : أترفوا فيه : أبطروا فيه.
وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن جرير، قال :«سمعت رسول الله يسأل عن تفسير هذه الآية وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأهلها ينصف بعضهم بعضاً " وأخرجه ابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق موقوفاً على جرير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً قال : أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ قال : أهل الحق وأهل الباطل إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ قال : أهل الحق ولذلك خَلَقَهُمْ قال : للرحمة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عنه إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ قال : إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال : لا يزالون مختلفين في الأهواء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ أي : اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية. وأخرج هؤلاء عن الحسن في الآية قال : الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف ولذلك خَلَقَهُمْ قال : للاختلاف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ قال : أهل الباطل إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ قال : أهل الحق ولذلك خَلَقَهُمْ قال : للرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرجا عن الحسن قال : لا يزالون مختلفين في الرزق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ولذلك خلقهم قال : خلقهم فريقين : فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف، فذلك قوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌ وَسَعِيد . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرسل مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : وَجَاءكَ فِي هذه الحق قال : في هذه السورة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير مثله أيضاً.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، قال : في هذه الدنيا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة اعملوا على مَكَانَتِكُمْ أي : منازلكم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرينَ قال : يقول انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم، وفي قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ قال : فيقضي بينهم بحكم العدل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس في فضائل القرآن، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن كعب قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة هود وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض إلى آخر الآية.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني