ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون( (١) )( ١٥ ) :
وكان الكافرون( (٢) ) قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا :
لولا أنزل عليه كنز.. ( ١٢ ) [ هود ] : فهم-إذن-مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها.
والحياة تتطلب المقومات الطبيعية للوجود، من ستر عورة، وأكل لقمة وبيت يقي الإنسان ويؤويه. أما الزينة فأمرها مختلف، فبدلا من أن يرتدي الإنسان ما يستر العورة، يطلب لنفسيه الصوف الناعم شتاء، والحرير الأملس صيفا، وبدلا من أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر، يطلب لنفسه قصرا.
وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة( (٣) ) من الذهب والفضة والخيل المسومة( (٤) ) والأنعام والحرث( (٥) ).. ( ١٤ ) [ آل عمران ] : وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا، ويقول الحق سبحانه : .. ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب( (٦) )( ١٤ ) [ آل عمران ] : إذن : ما معنى كلمة " زينة " ؟
معنى كلمة " زينة " أنها حسن أو تحسين طارئ على الذات، وهناك فرق بين الحسن الذاتي والحسن الطارئ من الغير.
والمرأة-على سبيل المثال-حين تتزين فهي تلبس الثياب الجميلة الملفتة، وتتحلّى بالذهب البرّاق، فهو المعدن الذي يأخذ نفاسته( (٧) ) من كثرة تلألئه الذي يخطف الأبصار، ولا تفعل ذلك بمغالاة إلا التي تشك في جمالها.
أما المرأة الجميلة بطبيعتها، فهي ترفض أن تتزين ؛ ولذلك يسمونها في اللغة :" الغانية " ( (٨) )، أي : التي استغنت بجمالها الطبيعي عن الزينة، ولا تحتاج إلى مداراة كبر أذنيها بقرط( (٩) ) ضخم، ولا تحتاج على مداراة رقبتها بعقد ضخم، ولا تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار( (١٠) )، وترفض أن تخفي جمال أصابعها بالخواتم. وحين تبالغ المرأة في ذلك التزين فهي تعطي الانطباع المقابل.
وقد يكون المثل الذي أضربه الآن بعيدا عن هذا المجال، لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالغ فيه المقابل له.
وفي ذلك يقول المتنبي( (١١) ) :
الطّيب أنت إذا أصابك طيبه**** والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وهو هنا يقول : إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف، فالطيب هو الذي يتطيّب، كما أن الماء هو الذي يغسل إذا ما لمس هذا الإنسان، وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تزيّن نحرها( (١٢) ) بقلادة( (١٣) ) ؛ لأن نحرها بدون قلادة يكون أكثر جمالا. ويقال عن مثل هذه المرأة " غانية " ؛ لأنها استغنت بجمالها.
ويقال عن جمال نساء الحضر : إنه جمال مصنوع بمساحيق، وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط، وكان كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة في وجهها.
ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك، ويختل مشهد وجهها بخليط الألوان ؛ ولذلك يقال :
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب، إذن : فالزينة هي تحسين الشيء بغيره، والشيء يستغنى عن الزينة.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون( (١٤) ) ( ١٥ ) [ هود ] : أي : إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة زينتها ؛ لأنه رب، و هو الذي خلقكم واستدعاكم إلى الوجود، وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من مقومات الحياة وزينتها ؛ لأنه سبحانه هو القادر على أن يوفّي بما وعد.
وهو سبحانه يقول هنا : نوف إليهم أعمالهم.. ( ١٥ ) [ هود ] : أي : أنهم إن أخذوا بالأسباب فالحق سبحانه يلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملا غير منقوص.
وهم في هذه الدار الدنيا لا يبخسون في حقوقهم، فمن يتقن عمله يأخذ ثمرة عمله.
وهذا القول الكريم يحلّ لنا إشكالا كبيرا نعاني منه، فهناك من يقول : إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون : لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويبنون المساجد، بينما قوم متخلفون ومتأخرون عن ركب الحضارة، بينما نجد الكافرين وهم يرفلون( (١٥) ) في نعيم الحضارة.
ونقول : إن لله تعالى عطاء ربوبية للأسباب، فمن أحسن الأسباب حتى لو كان كافرا، فالأسباب تعطيه، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب ؛ لأن الحق سبحانه يقول : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا( (١٦) )( ٢٣ ) [ الفرقان ] : والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيرا للناس بخير في الدنيا ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في الدنيا، ويجزي من يمدّ يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا.
وكلها أعمال مطلوبة في الدّين، ولكنّ الكافر قد يفعلها، فيردّ الله سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا، وإن كان قد فعل ذلك ليقال : إن فلانا عمل كذا، أو فلانا كان شهما في كذا، فيقال له :" عملت ليقال وقد قيل " ( (١٧) ).
وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب ؛ فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا به من الأسباب.
ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلّف : لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين، وكانوا سادة حين طبّقوا دينهم، ظاهرا وباطنا، شكلا ومضمونا.
وعلى ذلك فالتخلف ليس لازما ولا ملازما للإسلام، وإنما جاء التخلّف لأننا تركنا روح الإسلام وتطبيقه.
وإن عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة، كنا نجد كل صاحب نشاط عقلي مبدع ينال القتل عقوبة على الإبداع، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا " العصور المظلمة ".
وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين، ودحرهم( (١٨) ) المسلمون، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنسية، وعندما فعلوا ذلك تقدّموا.
هم-إذن-عندما تركوا سلطان البابا تقدموا، ونحن حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلّفنا. إذن : فأيّ الجرعتين خير ؟
إن واقع الحياة قد أثبت تقدّم المسلمين حين أخذوا بتعاليم الإسلام، وتخلفوا حين تركوها.
وهكذا.. فمعيار التقدّم هو الأخذ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حسن خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ومن لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم ينل ثواب الآخرة.
والحق سبحانه وتعالى هو القائل : والذين كفروا أعمالهم كسراب( (١٩) ) بقيعة( (٢٠) ) يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده.. ( ٣٩ ) [ النور ].
وهكذا يفاجأ بالإله الذي كذّب به.
والحق سبحانه يقول : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف( (٢١) ) لا يقدرون مما كسبوا على شيء.. ( ١٨ ) [ إبراهيم ] :
إذن : فمن أراد الدنيا وزينتها، فالحق الأعلى سبحانه يوفّيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئا، فحاتم الطائي-على سبيل المثال-أخذ صفة الكرم، وعنترة أخذ صفة الشجاعة، وكل إنسان أحسن عملا أخذ أجره، ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى، وآمن به.
وحتى الذين دخلوا الإسلام نفاقا وحاربوا مع المسلمين، أخذوا نصيبهم من الغنائم، ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب.
إذن : فالوفاء يعني وجود عقد، وما دام هناك عقد بين العامل والعمل، وأتقن العامل العمل فلا بد أن يأخذ أجره دون بخس ؛ لأن البخس هو إنقاص الحق.

١ بخسه حقه: نقصه حقه ولم يوفه إياه، قال تعالى:ولا تبخسوا الناس أشياءهم..(٨٥)[الأعراف]. والثمن البخس: القليل الناقص عن مثله،وشروه بثمن بخس..(٢٠)[يوسف].
٢ اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار قاله الضحاك، واختاره النحاس، بدليل الآية التي بعدها:أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار..(١٦)[هود]، أي: من آتى منهم بصلة رحم أو صدقة فكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق. لكن لا حسنة له في الآخرة.
وقيل: المراد بالآية المؤمنون، أي: من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده للدنيا. وقيل: هو الأهل الرياء، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء:"صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك" ثم قال:"إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار".
وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعلمه غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن.[تفسير القرطبي ٤/٣٣٣١]..

٣ القناطير: جمع قنطار وهو معيار مختلف المقدار عند الناس، وهو بمصر في زماننا: مائة رطل، وهو ٤٤، ٩٢٨ من الكيلوجرامات، وقد يقصد بها المال الكثير-كما في الآية الكريمة. وقال تعالى:ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك..(٧٥)[آل عمران].
والقناطير المقنطرة: أي: المضاعفة، أو المحكمة المحصنة.[كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف. والمعجم الوسيط]..

٤ الخيل المسومة: أي: المرسلة للرعي، أو المعلمة بعلامات.[القاموس القويم]..
٥ الأنعام: الإبل والبقر والضان والمعز.
والحرث: المزروعات.[كلمات القرآن]..

٦ المآب: المرجع. وحسن المآب: أي: المرجع الحسن.[كلمات القرآن]..
٧ نفس الشيء نفاسة: كان عظيم القيمة فهو نفيس. وقيل: منه التنافس، كل يريد أن يكون أنفس من غيره، أو يحرز ما هو أنفس وأعظم قيمة. قال تعالى:.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون(٢٦)[المطففين] أي: فليتسابقوا لإحرازه لأنفسهم..
٨ الغانية من النساء: التي غنيت بالزوج. ووهي أيضا التي غنيت بحسنها وجمالها عن الحلي. وقيل: هي التي تطلب ولا تطلب. وقيل: الغانية الجارية الحسناء، ذات زوج كانت أو غير ذات زوج. سميت غانية لأنها غنيت بحسنها عن الزينة.[لسان العرب-مادة: غنى]..
٩ القرط: ما يعلق في شحمة الأذن من در أو ذهب أو فضة أو نحوها. والجمع: أقراط، وقروط..[المعجم الوسيط]..
١٠ السوار: حلية من الذهب مستديرة كالحلقة تلبس في المعصم. والجمع: أسورة، وأساور.[المعجم الوسيط]..
١١ هو: أحمد بن الحسين، شاعر حكيم، ولد بالكوفة في محلة تسمى "كندة" عام ٣٠٣هـ، نشأ بالشام، ادعى النبوة في بادية السماوية(بين الكوفة والشام). ولذلك سمي بالمتنبي، ثم رجع عن دعواه بعد أسره، توفي عام ٣٥٤ هـ عن ٥٢ عاما..
١٢ النحر: أعلى الصدر، وهو موضع القلادة..
١٣ القلادة: كل ما يوضع حول الرقبة من عقود وحلي وذهب وغيره، وسميت الأضاحي قلائد مجازا مرسلا علاقته الملازمة؛ لأن الذبائح كانت تعلم بقلادات في أعناقها. قال تعالى:ولا الهدي ولا القلائد..(٢)[المائدة]. أي الأضاحي ذوات القلائد..
١٤ البخس: الإنقاص. وبخسه بخسا: نقصه حقه ولم يوفه. قال تعالى:ولا تبخسوا الناس أشياءهم..(٨٥)[الأعراف] [القاموس القويم]..
١٥ رفل: جر ذيل ثوبه وتبختر في مشيه. ويرفلون في النعيم: أي: يعيشون في رفاهية فرحين بما لديهم من نعيم.[المعجم الوسيط] بتصرف..
١٦ الهباء المنثور: الغبار المتطاير في الجو. وقوله تعالى:فجعلناه هباء منثورا..(٢٣)[الفرقان] أي: كل عمل عملوه كالهباء المنثور، لا يعتد به، ولا قيمة له.[القاموس القويم]..
١٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لن يقال: جريء، فقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت القرآن وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت. ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار.
ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد. فقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى في النار.[أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٠٥) كتاب الإمارة]..

١٨ دحره يدحره دحرا ودحورا: دفعه وطرده وأبعده مهانا. ودحره في الحرب: هزمه. قال تعالى:.. ويقذفون من كل جانب(٨) دحورا ولهم عذاب واصب(٩)[الصافات][القاموس القويم]..
١٩ السراب: ما تراه في نصف النهار في الأرض الفضاء كأنه ماء وليس بماء. ويقول الله تعالى:وسيرت الجبال فكانت سرابا(٢٠)[النبأ] أي: صارت لا حقيقة لها، أي: تشبه السراب في أنها لا حقيقة لها، أو كالأرض المسطوحة التي يظهر فيها السراب.[القاموس القويم]..
٢٠ القاع والقيعة: ما استوى من الأرض وانخفض عما يحيط به من الجبال والأكمات. قال تعالى:ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا(١٠٥) فيذرها قاعا صفصفا(١٠٦) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا(١٠٧)[طه]
قاعا صفصفا: مكانا منخفضا مستويا معتدلا، لا ارتفاع فيه ولا اعوجاج. وقوله تعالى:والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة..(٣٩)[النور]أي: بمكان منخفض مستو مما يظهر فيه السراب عادة.[القاموس القويم]..

٢١ عصفت الريح، تعصف عصفا وعصوفا: اشتد هبوبها، والريح عاصف وعاصفة فهي تذكر وتؤنث، والريح العاصفة أحيانا تدمر كل شيء تمر عليه. قال تعالى:ولسليمان الريح عاصفة..(٨١) [الأنبياء] وقال تعالى:جاءتها ريح عاصف..(٢٢)[يونس] وقال تعالى:فالعاصفات عصفا(٢)[المرسلات] هي الرياح الشديدة. بالقاموس القويم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير