قوله تعالى: وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا : يجوز أن يتعلَّقَ «فيها» ب «حَبِط»، والضميرُ على هذا يعود على الآخرة، أي: وظهر حبوطُ ما صنعوا في الآخرة. ويجوز أن يتعلَّقَ ب «صنعوا» فالضمير على هذا يعود على الحياة الدنيا كما عاد عليها في قوله نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا. و «ما» في «ما صنعوا» يجوز أن تكون بمعنى الذي فالعائدُ محذوفٌ، أي: الذي صنعوه، وأن تكونَ مصدريةً، وحَبِط صُنْعُهم.
صفحة رقم 297
قوله: وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ الجمهورُ قرؤوا برفع الباطل، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ «باطل» خبراً مقدماً، و مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ مبتدأٌ مؤخرٌ. و «ما» تحتمل أن تكن مصدريةً، أي: وباطلٌ كونُهم عاملين، وأن تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف، أي: يعملونه، وهذا على أنَّ الكلامَ من عطفَ الجمل، عَطَفَ هذه الجملةَ على ما قبلها. الثاني: أن يكونَ «باطل» مبتدأً و مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ خبرُه، هكذا قال مكي بن أبي طالب وهو لا يَبْعُدُ على الغلط، والعجبُ أنه لم يّذْكر غيره. الثالث: أن يكونَ «باطل» عطفاً على الأخبارِ قبله، أي: أولئك باطلٌ ما كانوا يعملون، و مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فاعلٌ ب «باطل»، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي: وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ جعله فعلاً ماضياً معطوفاً على «حَبِط».
وقرأ أُبَيّ وابن مسعود قال مكي: «وهي في مصحفهما كذلك» ونقلها الزمخشري عن عاصم «وباطلاً» نصباً وفيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ ب «يعملون» و «ما» مزيدة، وإلى هذا ذهب مكي وأبو البقاء وصاحب «اللوامح»، وفيه تقديمُ معمولِ خبرِ «كان» على «كان» وهي مسألة خلاف، والصحيحُ جوازُها كقوله تعالى: أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ [سبأ: ٤٠] فالظاهرُ أن «إياكم» منصوب ب «يعبدون». والثاني: أن تكونَ «ما»
إبهاميةً، وتنتصب ب «يعملون» ومعناه: «باطلاً أيَّ باطلٍ كانوا يعملون»، والثالث: أن يكون «باطلاً» بمعنى المصدر على بَطَلَ بُطْلاناً ما كانوا يعملون، ذكر هذين الوجهين الزمخشري، ومعنى قوله «ما» إبهامية أنها هنا صفةٌ للنكرة قبلها، ولذلك قَدَّرها ب «باطلاً أيَّ باطل» فهو كقوله:
| ٢٦٤٣ -.................... | وحديثٌ ما على قِصَرِهْ |
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط