تمهيد :
بعد أن أقام الحجة على حقيقة دعوة الإسلام، وعلى أن القرآن من عند الله، وليس بالمفترى من عند محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعيه المشركون، أعقب ذلك ببيان : أن الباعث على المعارضة والتكذيب، هو الهوى، والشهوة، ومحض الحسد، وحظوظ الدنيا.
المفردات :
وحبط : أي : فسد وبطل ولم ينتفعوا به.
التفسير :
١٦ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .
جاء في تفسير أبي السعود :
" أي : أولئك المريدون للحياة الدنيا وزينتها، الموفون فيها ثمرات أعمالهم من غير بخس ".
الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ ؛ لأن هممهم كانت مصروفة إلى الدنيا، وأعمالهم مقصورة على تحصيلها، وقد اجتنبوا ثمراتها، ولم يكونوا يريدون بها شيئا آخر ؛ فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد٢٧.
وحبط ما صنعوا فيها وفسد ما صنعوه في الدنيا من أعمال الخير ؛ لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله تعالى، وإنما الرياء ورضى الناس.
وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . وبطل ثواب عملهم في الآخرة ؛ لأنهم لم يريدوا وجه الله تعالى، والعمدة في الثواب الأخروي هو الإخلاص لله عز وجل ونظير الآيتين في المعنى قوله تعالى : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ . ( الشورى : ٢٠ )
وقوله عز شأنه : مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ( الإسراء : ١٨ ١٩ ).
وقريب من هذا المعنى قوله سبحانه : فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . ( البقرة : ٢٠٠ ٢٠٢ )..
وقد ذهب بعض المفسرين : إلى أن المراد بالآيتين : الكفار والمنافقين ومن على شاكلتهم.
وذهب كثير من المفسرين : إلى أن هاتين الآيتين وأمثالهما، معانيها مطلقه تشمل الكافر والمؤمن ؛ وقد وردت أحاديث صحيحة تحذر من الرياء والنفاق، وتدعو إلى إخلاص العمل لوجه الله تعالى، فمن قصد بعمله وجه الله تعالى ؛ لقي الجزاء في الدنيا والآخرة، ومن قصد بعمله الرياء ؛ لقي الجزاء في الدنيا وحدها، ولم يجد جزاء في الآخرة.
من هدى السنة
روى البخاري ومسلم : عن عمر رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ). ٢٨
وفي الحديث الشريف :( إن أول من يلقى في النار يوم القيامة عالم، ومتصدق، وشهيد، يقول العالم : يا رب، علّمت الناس آناء الليل وأطراف النهار ؛ فيقال له : إنما علمت ؛ ليقال عالم، أما وقد قيل ذلك، اذهبوا به إلى النار، ويقول المتصدق : يا رب، تصدقت بالمال آناء الليل وأطراف النهار ؛ فيقول له الله تعالى : أما إنك تصدقت ؛ ليقال كريم أما وقد قيل ذلك، اذهبوا به إلى النار، ويقول الشهيد : يا رب، قاتلت في سبيلك حتى قتلت ؛ فيقول له الله تعالى : أما إنك قاتلت ليقال شجاع، أما وقد قيل ذلك، اذهبوا به إلى النار. ثم يقول الله تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا يقصد به غيري ؛ فليلق جزاءه من ذلك الغير ).
وهذه الآيات والأحاديث تحث على إخلاص العمل خصوصا العبادات والقربات، والبعد عن الرياء ؛ فالمذموم هو التظاهر بالعمل للآخر، بينما هو في نيته العمل للدنيا وحدها.
( والإسلام يدعو إلى إيثار العمل للآخرة على عمل الدنيا في النية والقصد، فإن قصد الدنيا والآخرة معا، كان ذلك مقبولا شرعا ). ٢٩
وليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها ؛ فإن كان مسلما مخلصا ؛ وفّى ثوابها في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفّى ثوابها في الدنيا ). ٣٠
تفسير القرآن الكريم
شحاته