أولئك الذين ليس لهم في الآخرة شيء من الجزاء إلا النار لأنهم استوفوا جزاء أعمالهم الحسنة في الدنيا وبقيت لهم أوزار الأعمال السيئة وحبط ما صنعوا فيها من الحسنات يعني لم يبق لهم ثواب في الآخرة أو لم يكن لأنهم لم يريدوا بها وجه الله تعالى حتى يكون أجره على الله، والظرف إما متعلق بحبط والضمير يعود على الآخرة، وإما بصنعوا والضمير يعود إلى الدنيا وباطل في نفسه ما كانوا يعملون من الحسنات في الدنيا لأنه لم يعمل على ما ينبغي وكان كل واحد من الجملتين علة لما قبلها، والظاهر أن هذه الآية في حق الكفار روى البخاري عن عمر بن الخطاب في حديث طويل انه قال :" رفعت بصري في بيته صلى الله عليه وسلم فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة فقلت : يا رسول الله أدع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال :" أو في هذا أنت يا ابن الخطاب ؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحيات الدنيا " (١) وأما المؤمن فيريد الدنيا والآخرة، وإرادة الآخرة غالبة فيجازي بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطي عليها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا " (٢) رواه مسلم وأحمد، قلت : وقوله تعالى ليس لهم في الآخرة إلا النار (٣) قرينة دلت على أن الآية في حق الكفار للإجماع على ان مال المؤمن إلى الجنة البتة، وقيل هذه الآية في حق أهل الرياء. عن أبي سعيد بن فضالة عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم قال :" إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من غير عند الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " (٤) رواه أحمد، وعن انس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :" من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع الله شمله أتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له " (٥) رواه الترمذي واحمد والدرامي عن أبان بن زيد بن ثابت، وقوله تعالى نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يبخسون لا ينافي قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يأتيه منها إلا ما كتب له " لأن إيفاء أعمالهم في الدنيا بحيث لا يبخسون مكتوب لهم ويأتيهم البتة ولا يأتيه ما يزيد عليه وغن كان طالب الدنيا يطلب ما لانهاية له فإنه لو كان لابن آدم وأديان من ذهب لابتغى ثالثا، قلت : وإن كانت هذه الآية في قول الرياء فمعنى قوله تعالى ليس لهم في الآخرة إلا النار أنه ليس لهم جزاء ما يراءون فيه إلا النار.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا (٢٨٠٨)..
٣ سورة هود، الآية ١٦..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الكهف (٣١٥٤) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة (٤٢٠٣)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٦٥)..
التفسير المظهري
المظهري