ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
أولئك لم يكونوا معجزين( ١ ) في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون( ٢٠ ) :
والإعجاز هو الامتناع، وأعجزت فلانا، أي : برهنت على أنه ممتنع عن الأمر وغير قادر عليه.
وقد تجلّى الإعجاز-على سبيل المثال-في عجز هؤلاء الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن يأتي بآية من مثله. والمعجز في الأرض هو من لا تقدر عليه.
ويبيّن لنا الحق سبحانه في هذه الآية أن هؤلاء الكافرون لا يعجزون الله في الأرض، بدليل أن هناك نماذج من أمم قد سبقت وكفرت، فمنهم من أخذته الريح، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من غرق، وإذا انتقلوا إلى الآخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون الله ؛ لأن الولي هو القريب منك، ولا يقرب منك إلا من تحبه، ومن ترجو خيره.
فإذا قرب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك، نضح عليك من مواهبه، وإذا كان من يقرب منك قويا وأنت ضعيف، ففي قوته سياج لك، وإن كان غنيا، فغناه ينضح عليك، وإن كان عالما أفادك بعلمه، وإن كان حليما أفادك بحلمه لحظة غضبك، وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب منه، فسوف يفيدك من موهبته.
والولي هو النصير أيضا ؛ لأنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك.
وهؤلاء الذين يصدّون عن سبيل الله لن يجدوا وليّا ولا نصيرا في الآخرة-وإن وجدوه في الدنيا-لأن ككل إنسان في الآخرة سيكون مشغولا بنفسه :
يوم ترونها تذهل( ٢ ) كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد( ٢ ) [ الحج ].
ويقول الحق سبحانه : يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز( ٣ ) عن والده شيئا.. ( ٣٣ ) [ لقمان ].
وكذلك يقول الحق سبحانه : يوم يفر المرء من أخيه( ٣٤ ) وأمه وأبيه( ٣٥ ) وصاحبته ونبيه( ٣٦ ) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه( ٣٧ ) [ عبس ] : إذن : فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يعجزون الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة، بل : يضاعف لهم العذاب.. ( ٢٠ ) [ هود ] :
ونحن نفهم الضّعف على أنه الشيء يصير مرتين، ونظن أن في ذلك قوة، ونقول : لا ؛ لأن الذي يأتي ليسند الشيء الأول ويشفع له، كان الأول بالنسبة له ضعيف.
إذن : فالمضاعفة هي التي تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج على ما يدعمه. ومضاعفة العذاب أمر منطقي لهؤلاء الذين أرادوا الأمر عوجا، وصدوا عن سبيل الله تعالى، وأرادوا بذلك إضلال غيرهم.
وقول الحق سبحانه : يضاعف لهم العذاب.. ( ٢٠ ) [ هود ]، لا يتناقض مع قوله الحق : ولا تزر وازرة وزر أخرى( ٤ ).. ( ١٦٤ ) [ الأنعام ] : لأن هؤلاء الذين صادوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وزران : وزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم.
وهناك آية تقول : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما( ٥ )( ٦٨ ) يضاعف له العذاب.. ( ٦٩ ) [ الفرقان ] : أي : أن من يفعل ذلك يلق مضاعفة العذاب.. لماذا ؟
لأنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم.
والحق سبحانه وتعالى لا يريد للذنوب أن تنتشر، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يحض على أن يرى المؤمنون من ارتكب الجرم لحظة العقاب، مثلما يقول سبحانه في الزنا : وليشهد عذابهما طائفة( ٦ ) من المؤمنين( ٢ ) [ النور ] : وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما، ففي ذلك تحذير من ارتكاب الجرم، وحد من وقوع الجرائم.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لأولئك الذين صدّوا عن سبيل الله، وأرادوا إضلال غيرهم، فارتكبوا جريمتين :
أولاهما : ضلالهم.
والثانية : إضلالهم لغيرهم. ولذلك تجد بعضا من الذين أضلّوا يقولون يوم القيامة : .. لربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( ٢٩ ) [ فصلت ].
ويقولون أيضا : .. ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا( ٧ ) فأضلونا السبيلا( ٦٧ ) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا( ٦٨ ) [ الأحزاب ].
إذن : فالدعوة إلى الانحراف إضلال، وعمل الشيء بالانحراف إضلال ؛ لأنه أسوة أمام الغير.
ومضاعفة العذاب لا تعني الإحراق مرة واحدة في النار ؛ لأن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا مرة واحدة لانتهى الإيلام ؛ ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب. يقول الحق سبحانه : كلما نضجت( ٨ ) جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. ( ٥٦ ) [ النساء ] : فهو عذاب على الدوام.
أو أن العذاب الذي ضاعف له لون آخر، فهناك عذاب للكفر، وهناك عذاب للإفساد.
يقول الحق سبحانه : .. زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون( ٨٨ ) [ النحل ] : فالعذاب على الكفر لا يلغي العذاب على المعاصي التي يرتكبها الكافر( ٩ ).
فإذا كانت الشاة القرناء يقتصّ للشاة الجلحاء منها( ١٠ )، أي : أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي لا قرون لها، فيوم القيامة يتم القصاص منها، رغم أنه لا حساب للحيوانات ؛ لأنها لا تملك الاختيار، ولكنها سوف تستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة.
ويقول الحق سبحانه : .. يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع( ١١ ) وما كانوا يبصرون( ٢٠ ) [ هود ] : أي : ما كانوا يستطيعون الاستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع، فلم يستمعوا لبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا استطاعوا الاستفادة من أبصارهم ليروا آيات الله سبحانه وتعالى في الكون، فكأنهم صم عمي، أو يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار.
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه : اسمع بهم وأبصر( ١٢ ).. ( ٣٨ ) [ مريم ] : أي : أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الآخرة.
٢ تذهل: تغفل عما ترضعه، كناية عن شدة الهول والفزع. والذهول عن الشيء: تركه عن عمد أو الغفلة عنه ونسيانه لشغل.[لسان العرب-مادة: ذهل]..
٣ جاز: اسم فاعل من الفعل جزي. وجزي عنه: قضى الحق عنه آو كفى بدلا منه في أمر. وقال تعالى:واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا..(٤٨)[البقرة].
أي: لا تغني ولا تقضي. والمراد بقوله تعالى:واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا..(٣٣)[لقمان]. أي: أن كلا منهما غير دافع عن الآخر شيئا من العذاب [القاموس القويم] بتصرف..
٤ وزر الشيء يزره وزرا: حمله. ويأتي في الأحمال الثقيلة، ويستعار للذنوب. والمراد بقوله تعالى:ولا تزر وازرة وزر أخرى..(١٦٤)[الأنعام]. أي: لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى.[القاموس القويم]..
٥ ومن يفعل ذلك يلق أثاما: أي: أن من يفعل تلك الذنوب والآثام ينل جزاء إثمه ويعاقب عليه. والإثم: فعل ما نهى الله تعالى عنه.[القاموس القويم]..
٦ طائفة: جماعة أو فرقة من الناس. ذهب الإمام مالك إلى أن الطائفة أربعة نفر فصاعدا لأنه لا يكفي شهادة في الزنا إلا أربعة شهداء فصاعدا. وبه قال الشافعي وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة. انظر[ابن كثير(٣/٢٦٢)]..
٧ السادات والكبراء: قال طاوس: السادات هم أشراف القوم وعظماؤهم. والكبراء: هم العلماء. قاله ابن كثير في تفسيره (٣/٥١٩) وعزاه لابن آبي حاتم..
٨ نضج اللحم: لينه وصلاحيته لن يؤكل. والمارد: احترقت جلودهم..
٩ لأن لم يؤمن بالدين الذي يجب أن يؤمن به، لهذا لم ينج من العذاب، ويعذب أيضا لمخالفته لمنهج الله إن كان مؤمنا برسول، أو لم يؤمن بالرسل ولكن كان مخالفا للفطرة..
١٠ عن لأبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال:"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء: أخرجه مسلم في صحيحه(٢٥٨٢) كتاب البر والصلة. والجلحاء: هي الشاة ذهب شعر مقدم رأسها، وهي هنا بمنزلة الجماء التي لا قرن لها..
١١ السمع: حسن الأذن، ويطلق على الأذن، وعلى الآذان، بلفظه لأنه مصدر. وقال تعالى:ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة..(٧)[البقرة] أي: ختم على آذانهم فلا تسمع، والمارد: أنهم يسمعون ولا يفهمون.[القاموس القويم]..
١٢ أسمع بهم وأبصر: فعل تعجب من "سمع" ومن"بصر" أي: ما أدق سمعهم وبصرهم، وما أعجب شأنهم يوم القيامة، إذ يرى كل أعماله في الدنيا، ويسمع كل ما قاله في لحظات ليشهد على نفسه. بالقاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي