ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
لا جرم( ١ ) أنهم في الآخرة هم الأخسرون( ٢٢ ) :
واختلف العلماء في معنى كلمة لا جرم ، والمعنى العام حين تسمع كلمة لا جرم أي : حق وثابت، أو لابد من حصول شيء محدد.
وحين يقول الحق سبحانه : لا جرم أن لهم النار ( ٦٢ ) [ النحل ] : أي : حقّ وثبت أن لهم النار ؛ نتيجة ما فعلوا من أعمال، وتلك الأعمال مقدمة بين يدي عذابهم، فحين نسمع لا جرم ومعها العمل الذي ارتكبوه، تثق في أنه يحق على الله-سبحانه-أن يعذبهم.
وقال بعض العلماء( ٢ ) : إن معنى : لا جرم حق وثبت. وقال آخرون( ٣ ) : أن معنى لا جرم هو لابد ولا مفر.
والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البدّية( ٤ ) يدل على أنها ثابتة. وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة، ومادة الكلمة هي " الجرم "، والجرم : هو القطع( ٥ )، ويقال : جرم يده، أي : قطع يده.
وقول الحق سبحانه هنا : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون( ٢٢ ) [ هود ] : أي : لا قطع لقول الله فيهم بأن لهم النار، ولا شيء يحول دون ذلك أبدا، ولابد أن ينالوا هذا الوعيد ؛ وهكذا التقى المعنى ب " لابد ".
إذن : فساعة تسمع كلمة " لا جرم "، أي : ثبت، أو لابد من حدوث الوعيد.
وأيضا تجد كلمة " الجريمة " مأخوذة من " الجرم "، وهي قطع ناموس مستقيم، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئا، فهذا ناموس مستقيم، فإن سرق واحد من آخر، فهو قد قطع الأمن والسلام للناس، وأيّ جريمة هي قطع للمألوف الذي يحيا عليه الناس.
وأيضا يقال : جرم( ٦ ) الشيء أي : اكتسب شرّه، ومنه الجريمة، ولذلك يقال : من الناس من هو " جارم " وهي اسم فاعل من الفعل :" جرم "، مثل كلمة " كاتب " من الفعل " كتب " و " مجروم عليه " وهي اسم مفعول، مثلها مثل " مكتوب ".
فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا عن سبيل الله، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار.
ومثل هذه العقوبة ليست جريمة ؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة، بل هي منع للجريمة( ٧ ). وهكذا تلتقي المعاني كلها، فحين نقول : لا جرم فذلك يعني أنه لا جريمة في الجزاء ؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها.. ( ٤٠ ) [ الشورى ] :
وقد سمّاها الحق سيئة ؛ لأنها تسيء إلى المجتمع، أو تسيء إلى الفرد نفسه.
ولهذا يقول الحق سبحانه : وإن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. ( ١٢٦ ) [ النحل ] : وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه : لا جرم ، فهي تعني : لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار، أو لابد أن يدخلوا النار، أو حق وثبت أن يدخلوا النار، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا ؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم.
ويقول الحق سبحانه : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون( ٢٢ ) [ هود ] : وكلمة ( الأخسرون ) جمع " أخسر " ( ٨ ) وهي أفعل تفضيل لخاسر، وخاسر اسم فاعل مأخوذ من الخسارة.
والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة إجحافا( ٩ ) لواحد، كأن يشتري شيئا بخمسة قروش وكان يجب أن يبيعها بأكثر من خمسة قروش، لكنه باعها بثلاثة قروش فقط، فبعد أن كان يرغب في الزيادة، باع الشيء بما ينقص عن قيمته الأصلية.
ومن يفعل ذلك يسمى " خاسر "، والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا، ومن يخسر في صفقة قد يربح في صفقة أخرى. ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا، فما أقصر وقت الدنيا ! لأن كل ما ينتهي فهو قصير، لكن خسارة الآخرة لا نهاية لها.
ويقول الحق سبحانه وتعالى : قل هل ننبئكم( ١٠ ) بالأخسرين أعمالا( ١٠٣ ) الذين( ١١ ) ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا( ١٠٤ ) [ الكهف ] :
وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الأخسرون، ومرة يقول سبحانه واصفا الحكم عليهم : .. ألا ذلك هو الخسران المبين( ١٥ ) [ الزمر ] : وهو خسران محيط يستوعب كل الأمكنة. وشاء الحق سبحانه بعد ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلاء، في ذلك فيض من الإيناسات المعنوية ؛ لأن النفس حين ترى حكما على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء المقابل.
فحين يسمع الإنسان قول الحق سبحانه : إن الأبرار( ١٢ ) لفي نعيم( ١٣ ) [ الانفطار ].
فلا بد أن يأتي على الذهن تساؤل عن مصير الفجار، فيقول الحق سبحانه : وإن الفجار( ١٣ ) لفي جحيم( ١٤ ) [ الانفطار ] : وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار.
ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح.
فيقول الحق سبحانه :
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا( ١٤ ) إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون( ٢٣ ) :

١ لا جرم: لا محالة ولا بد، وتحولت إلى معنى القسم فصارت بمنزلة قولنا: حقا. وهي هنا بمعنى "حقا". وقد وردت في القرآن في خمسة مواضع:
الأول: سورة هود-آية ٢٢ وهي التي بصدد تفسيرها هنا.
الثاني:لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين(٢٣)[النحل]
الثالث:.. لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون(٦٢)[النحل]
الرابع:لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون(١٠٩)[النحل]
الخامس:لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة..(٤٣)[غافر]..

٢ قاله الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه. ف"لا" و"جرم" عندهما كلمة واحدة، و"أن" عندهما في موضع رفع. وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد. انظر تفسير القرطبي (٤/٣٣٣٨)..
٣ قال المهدوي: وعن الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة. وهو قول الفراء أيضا. ذكره الثعلبي. انظر تفسير القرطبي (٤/٣٣٣٨)..
٤ البد: النصيب من كل شيء. ولا بد منه: لا مفر.[المعجم الوسيط]..
٥ الجرمة: ما قطع من البسر (التمر).[المعجم الوسيط]..
٦ جرم الشيء، جرما: قطعه وغلب على فعل الشر. يقال: جرم أذنب وجنى جناية، وجرم المال: كسبه من أي وجده. وجرمه: حمله على فعل شر أو ذنب أو جرم. قال تعالى:ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا..(٨)[المائدة] أي: لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل..
٧ ولذلك قال سبحانه:ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون(١٧٩)[البقرة] قال ابن كثير في تفسيره (١/٢١١):"إذا علم القاتل أنه يقتل أنكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل"..
٨ أخسر: صيغة افعل التفضيل، وتفيد المبالغة في المعنى، أي: أكثر وأشد خسارة.[راجع: لسان العرب-مادة: خسر]..
٩ الجحف والمجاحفة: أخذ الشيء واجترافه. والجحف: شدة الجرف. والإجحاف: الظلم الشديد.[انظر: لسان العرب: مادة جحف]..
١٠ أنبأه بالشيء، ونباه به: أخبره به وذكر له قصته. والنبأ: الخبر، أو الخبر ذو الشأن والقصة ذات البال. والإنباء أيضا: التحدث، ومنه قوله تعالى:ونبئهم عن ضيف إبراهيم(٥١)[الحجر]. أي: حدثهم.[القاموس القويم ٢/٢٥٠]..
١١ الآية عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، فتجدهم يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون، وهذا مثل قوله تعالى:والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (٣٩)[النور].[تفسير ابن كثير ٣/١٠٧] بتصرف..
١٢ الأبرار: جمع بر، وهو الرجل الصادق الصالح صاحب الطاعة والإحسان. والبار: هو الذي يبر والديه فيحسن إليهما.[لسان العرب-مادة: برر] بتصرف..
١٣ الفجار: جمع فاجر، وهو المنبعث في المعاصي، غير مكثرت ولا مبال، وهو أيضا من بالغ في العصيان وجهر به.[القاموس القويم ٢/٧٣]بتصرف..
١٤ اخبتوا إلى ربهم: تواضعوا وخشوا وساروا في الطريق المستقيم المطمئن الواسع. وقال تعالى:.. وبشر المخبتين(٣٤)[الحج]. أي: الخاشعين. والخبت: المكان الواسع المطمئن من الأرض.[القاموس القويم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير