قَوْله تَعَالَى: حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور اخْتلفُوا فِي التَّنور على أَقْوَال: الْأَكْثَرُونَ على أَنه تنور الخابزة، هَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَجَمَاعَة.
وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: هُوَ وَجه الأَرْض. وَحكي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَقَالُوا: كَأَن الله تَعَالَى جعل بَينه وَبَين نوح عَلامَة، وَقَالَ: إِذا رَأَيْت المَاء قد فار على وَجه الأَرْض فاركب السَّفِينَة.
مُقيم (٣٩) حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " وفار التَّنور " يَعْنِي: انفجر الصُّبْح؛ وَهُوَ من قَوْلهم: نور الصُّبْح تنويرا. وَقَالَ بَعضهم: التَّنور هَاهُنَا: تنور من حِجَارَة كَانَت حَوَّاء تخبز فِيهِ فورثه نوح، وَقَالَ الله تَعَالَى لنوح: إِذا فار المَاء من آخر مَوضِع فِي دَارك فَهُوَ الْعَلامَة، وَاسم التَّنور اسْم وَافَقت الْعَرَبيَّة فِيهِ العجمية.
وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع التَّنور:
رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ، وَأَشَارَ إِلَى بَاب كِنْدَة لِلْمَسْجِدِ، وَمثله عَن الشّعبِيّ أَن التَّنور فار من نَاحيَة الْجَانِب الْأَيْمن من مَسْجِد الْكُوفَة. وَحكي أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي اشْتريت رَاحِلَة وأعددت زادا لأذهب وأصلي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ: بِعْ راحلتك، وكل زادك، وصل فِي هَذَا الْمَسْجِد - يَعْنِي: مَسْجِد الْكُوفَة -؛ فَإِنَّهُ صلى فِيهِ سَبْعُونَ نَبيا، وَمِنْه فار التَّنور.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ التَّنور بِالشَّام. وَقَالَ بَعضهم كَانَ بِأَرْض الْهِنْد.
وَقَالَ بَعضهم: التَّنور عين بالجزيرة تسمى عين الوردة.
وَقَوله: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ " فِيهَا " ينْصَرف إِلَى الْفلك، وَاخْتلفُوا فِي قدر الْفلك:
رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ طول السَّفِينَة ألفا وَمِائَتَيْنِ ذِرَاع، وعرضها سِتّمائَة ذِرَاع. وَالْمَعْرُوف أَن طولهَا كَانَ ثلثمِائة ذِرَاع، وعرضها كَانَ (خمسين) ذِرَاعا، وارتفاعها إِلَى السَّمَاء كَانَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعا، وَقد قيل غير هَذَا، وَالله أعلم.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ بَابهَا فِي عرضهَا. قَالُوا: وَكَانَت ثَلَاث طَبَقَات: الطَّبَقَة الْعليا للطير، والطبقة السُّفْلى للسباع والوحوش، وَالْوُسْطَى للنِّسَاء وَالرِّجَال، والحاجز بَين النِّسَاء وَالرِّجَال جَسَد آدم؛ فَإِنَّهُ كَانَ حمله مَعَ نَفسه فِي السَّفِينَة.
إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل وَمن آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل (٤٠) وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله
وَقَوله: من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الزَّوْج كل وَاحِد لَا يَسْتَغْنِي عَن مثله، يُقَال: زوج خف، وَزوج نعل، وَالْمرَاد من الزَّوْجَيْنِ هَاهُنَا: الذّكر وَالْأُنْثَى، وَمَعْنَاهُ: من كل ذكر وَأُنْثَى اثْنَيْنِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن نوحًا - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب، كَيفَ أحمل من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟ فحشر الله تَعَالَى السبَاع وَالطير إِلَيْهِ، فَجعل يضْرب بيدَيْهِ فِي كل جنس، فَيَقَع الذّكر فِي يَده الْيُمْنَى وَالْأُنْثَى فِي يَده الْيُسْرَى فيحملها فِي السَّفِينَة. وَذكر وهب بن مُنَبّه أَن النَّاس شكوا الفأر إِلَى نوح فِي السَّفِينَة، فَأمره الله تَعَالَى أَن يمسح جبهة الْأسد، فَخرج من مَنْخرَيْهِ سنوران فأكلا الفأر، وَشَكوا إِلَيْهِ أَيْضا كَثْرَة الْعذرَة فَأمره أَن يمسح على مُؤخر الْفِيل، فَخرج مِنْهُ خنزيران فأكلا الْعذرَة.
وَقَوله تَعَالَى: وَأهْلك مَعْنَاهُ: واحمل أهلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل يَعْنِي: ابْنه وَامْرَأَته. وَقَوله: وَمن آمن مَعْنَاهُ: وأحمل من آمن.
وَقَوله: وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل اخْتلفُوا فِي عَددهمْ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانُوا ثَمَانِينَ نَفرا. وَعَن بَعضهم: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين نَفرا. وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانُوا سَبْعَة نفر: ثَلَاثَة بَنِينَ لنوح وهم: سَام، وَحَام، وَيَافث وَثَلَاث كنائنهم - يَعْنِي: نِسَاؤُهُم -، ونوح. وَقَالَ قَتَادَة: كَانُوا ثَمَانِيَة نَفرا.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم