ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور١ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك٢ إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( ٤٠ ) :
وكلمة حتى تدل على الغاية وكلمة أمرنا تدل على الطوفان، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومن آمن معه وكانوا قلة قليلة.
إذن : ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة، أمر من الله تعالى بقوله : واصنع الفلك.. ( ٣٧ ) [ هود ] : وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل وقتا طويلا من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه : وفار التنور... ( ٤٠ ) [ هود ] : ومعنى كلمة فار أي : أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان.
فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء منثورا خارج إناء الغليان.
و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله.
وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مظانه وهو التنور.
واختلف العلماء٣ في تفسير كلمة " التنور " فمنهم من قال : إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه السلام يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، أو هو بيت سيدة عجوز.
وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضر، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه، وأنه إذا ما فار التنور فعلى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين.
وقول الحق سبحانه : احمل فيها من كل زوجين اثنين... ( ٤٠ ) [ هود ] : تعني : أن يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة كلٍ المنونة- وتفيد التعميم- أي : احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلام.
والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء ؛ لأن نوحا عليه السلام لم يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها، لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان.
وكلمة : زوجين اثنين... ( ٤٠ ) [ هود ] : تدل على أن كلمة " زوج " ٤ هي مفرد ؛ بدليل قول الحق سبحانه : وخلق منها زوجها.. ( ١ ) [ النساء ].
إذن : كلمة " زوج " تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية مثلا.
أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى :
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل الذكرين حرّم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ( ١٤٣ ) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين... ( ١٤٤ ) [ الأنعام ] : وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة " زوج " تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر.
ويوضح القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه : ألم يك نطفة٥ من مني يمنى٦ ( ٣٧ ) ثم كان علقة٧ فخلق فسوى٨ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى( ٣٩ ) [ القيامة ] : إذن : فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضا.
وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه : .. احمل فيها من زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( ٤٠ ) [ هود ].
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال : إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين. ٩

١ - التنور: مكان تفجر الماء. والكانون الذي يخبز فيه. قال تعالى: وفار التنور..(٤٠) [هود] أي: تفجرت الأرض بماء كثير، أو تفجرت بما يشبه فوران النار في التنور. والتنور: مجتمع ماء الوادي وكل ذلك يدل على كثرة الماء، وعلى قوة اندفاعه. [القاموس القويم].
٢ - أهل من باب فرح وضرب ونصر أهلا وأهولا: تزوج، وأهل المكان عمر بأهله. والأهل الأقارب والعشيرة والزوجة، وأهل الدار أصحابها، وأهل النبي أتباعه، وأهل الكتاب هم أصحاب الديانات السماوية، قال تعالى: .. يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (٧٧) [المائدة] [القاموس القويم باختصار]..
٣ - ذكر القرطبي في تفسيره هذه الاختلافات على سبعة أقوال، فلتراجع هناك (١/٣٣٥١، ٣٣٥٢)، ثم قال: "قال النحاس: هذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ وهي تجتمع في أن ذلك كان علامة" اهـ بتصرف. أما ابن كثير فقد رجح قول ابن عباس أن التنور هو وجه الأرض، أي: صارت الأرض عيونا تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء. قال ابن كثير: "هذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف" وذكر باقي الأقوال ولكنه وصفها بالغرابة. [تفسير ابن كثير ٢/٤٤٥]..
٤ - الزوج: كل واحد مع آخر من جنسه مع اختلاف المهمة لأن في اختلاف المهمة تكامل الغاية، يطلق على الذكر والأنثى، فالرجل زوج لامرأة، والمرأة زوج لرجل. والزوج في الحساب خلاف الفرد، وهو كل ما ينقسم قسمين متساويين. والزوج: الشكل أو الصنف يكون له نظير أو نقيض كالرطب واليابس والذكر والأنثى. قال تعالى: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين..(٤٠) [هود] أي: احمل في السفينة ذكرا و أنثى من كل نوع. وقال تعالى: {وآخر من شكله أزواج (٥٨) [ص]. أي: أصناف متزاوجة ذكورة وأنوثة، أو متناقضة كل شيء وضده. [القاموس القويم] بتصرف..
٥ - نطف الماء: سال وقطر. والنطفة: الماء الصافي، وتطلق في القرآن على ماء الرجل أو المرأة، الذي يخلق منه الولد. وقال تعالى: خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٤) [النحل]..
٦ - منى يمنى: يصب في الرحم. [كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف]..
٧ - علقة: الدم الجامد الغليظ الذي يعلق بما يمسه. وجمعها: علق. قال تعالى: فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة..(٥) [الحج]، وقال تعالى: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (١٤) [المؤمنون] وقال تعالى: خلق الإنسان من علق (٢) [العلق] [القاموس القويم]..
٨ - فسوى: فعدله وكمله ونفخ فيه الروح. [كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف].
٩ - قال عكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم. فذلك ستة أشهر، وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة. قاله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٥٤) وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/٤٤٧) عن ابن عباس أنهم مكثوا في السفينة مائة وخمسين يوما، أي: حوالي خمسة أشهر. فالله أعلم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير