ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

ويقول الحق سبحانه :
وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي١ وغيض٢ الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي٣ وقيل بعدا٤ للقوم الظالمين ( ٤٤ ) :
والبلع هو مرور الشيء من الحلق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في القرآن أمر من الله تعالى مثل : وقيل يا أرض ابلعي ماءك.. ( ٤٤ ) [ هود ] فافهم أن القائل هو من تنصاع له الأرض.
ولم يقل الله سبحانه : " قال الله يا أرض ابلعي ماءك " ؛ لأن هناك أصلا مستعينا وإن لم يقله، والحق سبحانه يريد أن ينمي فينا غريزة وفطنة الإيمان ؛ لأن أحدا غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء.
ويكون أمره سبحانه للسماء : ويا سماء أقلعي أي : أن توقف المطر.
وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصب، وأعطى الأمر للمصرف أن يسحب الماء.
ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحي تطفح إن كان هناك ما يسد تصريف الماء ؛ لأن أرض المدن حاليا صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه ؛ ولذلك نجد الجهات المختصة تجند طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة الحياة.
وأقول هنا : إن حسن استخدام الماء من حسن الإيمان ؛ لأني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيرا عن حاجتهم للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقي ليضيع دون جدوى٥.
وعلى الناس أن يدخروا الماء، ولا يسيئوا استغلاله ؛ لأن الماء حين يتوفر فهو يحيي الموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحي.
باختصار ؛ نحن نحتاج إلى حسن استقبال نعم الله تعالى وحسن التصرف فيها ؛ لننعم بها، ونسعد بخيرها.
وقول الحق سبحانه : ويا سماء أقلعي... ( ٤٤ ) [ هود ] : أي : اتركي المطر.. ومن ذلك أخذنا كلمة " قلع " الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة، وهو الشراع.
ويقال : " أقلعت المركب " أي : تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطئ.
ويقول الحق سبحانه : وغيض الماء... ( ٤٤ ) [ هود ] : وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول ؛ لنعلم أن الله تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض.
ومادة " غاض " تستعمل لازمة، وتستعمل متعدية٦.
ثم يقول سبحانه : واستوت على الجودي.. ( ٤٤ ) [ هود ] أي : استقرت السفينة على جبل الجودي.
وينهى الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله : ... وقيل بعدا للقوم الظالمين ( ٤٤ ) [ هود ]. وهو بعد نهائي إلى يوم القيامة.

١ - أقلعي: أمسكي (امتنعي) عن إنزال المطر [كلمات القرآن]. والإقلاع عن الأمر: الكف عنه. وأقلع عن الشيء: كف عنه. وأقلعت السماء: كفت عن المطر [القاموس القويم]..
٢ - غيض الماء: نقص وذهب في الأرض [كلمات القرآن]
وغاض الماء يغيض غيضا: ذهب وابتعلته الأرض [القاموس القويم]..

٣ - استوت على الجودي: استقرت على جبل بقرب الموصل. [كلمات القرآن].
وقيل: إن ذلك كان يوم عاشوراء فصامه نوح ومن كان معه من الوحش والخلق شكرا لله عز وجل. [مختصر تفسير الطبري]..

٤ - بعدا: أي: هلاكا وسحقا. [كلمات القرآن]..
٥ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ. فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: (نعم وإن كنت على نهر جار) أخرجه أحمد في مسنده (٢/٢٢١) وابن ماجه في سننه (٤٢٥) قال البوصيري في الزوائد: "إسناد ضعيف، لضعف حي بن عبد الله وابن لهيعة"..
٦ - وتستعمل "غاض" لازمة، وهي أن تكتفي بفاعلها فلا تحتاج لمفعول به، وذلك مثل: غاض الماء. أي: نقص. وقد تستعمل متعدية أي: تتعدى فاعلها إلى المفعول به. فتقول: أغاض الله ماءه [للبئر] أو: غاضه وغيضه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير