ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

وأنشد ابن الأعرابي على هذا:

فلست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لواني
يريد: بلهفا.
قال القاضي أبو محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما قال.
وقرأ وكيع بن الجراح: «ونادى نوح ابنه» بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي لغة سوء لا تعرف.
وقوله: فِي مَعْزِلٍ أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن يريد في معزل في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن قال: «معزل» - بكسر الزاي- أراد الموضع، ومن قال: «معزل» - بفتحها- أراد المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه.
وقرأ السبعة «يا بنيّ» بكسر الياء المشددة، وهي ثلاث ياءات: أولاها ياء التصغير، وحقها السكون والثانية لام الفعل، وحقها أن تكسر بحسب ياء الإضافة إذ ما قبل ياء الإضافة مكسور: والثالثة: ياء الإضافة فحذفت ياء الإضافة إما لسكونها وسكون الراء، وإما إذ هي بمثابة التنوين في الإعلام وهو يحذف في النداء فكذلك ياء الإضافة والحذف فيها كثير في كلام العرب، تقول: يا غلام، ويا عبيد، وتبقى الكسرة دالة، ثم أدغمت الياء الساكنة في الياء المكسورة، وقد روى أبو بكر وحفص عن عاصم أيضا «يا بنيّ» بفتح الياء المشددة، وذكر أبو حاتم: أن المفضل رواها عن عاصم، ولذلك وجهان: أحدهما: أن يبدل من ياء الإضافة ألفا وهي لغة مشهورة تقول: يا غلاما، ويا عينا، فانفتحت الياء قبل الألف ثم حذفت الألف استخفافا ولسكونها وسكون الراء من قوله ارْكَبْ.
والوجه الثاني: أن الياءات لما اجتمعت استثقل اجتماع المماثلة فخفف ذلك الاستثقال بالفتح إذ هو أخف الحركات، هذا مذهب سيبويه، وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: «وحواري الزبير».
وروي عن ابن كثير أنه قرأ في سورة لقمان: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان: ١٣] بحذف ياء الإضافة ويسكن الياء خفيفة، وقرأ الثانية: يا بُنَيَّ إِنَّها [لقمان: ١٦] كقراءة الجماعة وقرأ الثالثة: يا بُنَيَّ أَقِمِ... [لقمان: ١٧] ساكنة كالأولى.
وقوله: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ يحتمل أن يكون نهيا محضا مع علمه أنه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره فناداه ألا يبقى- وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك بهلاكهم، والأول أبين.
قوله عز وجل:
[سورة هود (١١) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
ظن ابن نوح أن ذلك المطر والماء على العادة، وقوله: لا عاصِمَ قيل فيه: إنه على لفظة فاعل

صفحة رقم 174

وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ يريد إلا الله الراحم، ف مِنَ كناية عن اسم الله تعالى، المعنى: لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا ف مِنَ في موضع رفع، وقيل: قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ استثناء منقطع كأنه قال: لا عاصم اليوم موجود، لكن من رحم الله موجود، وحسن هذا من جهة المعنى، أن نفي العاصم يقتضي نفي المعصوم. فهو حاصل بالمعنى. وأما من جهة اللفظ، ف مِنَ في موضع نصب على حد قول النابغة:
إلا الأواري. ولا يجوز أن تكون في موضع رفع على حد قول الشاعر: [الرجز].
وبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلا العيس
إذ هذان أنيس ذلك الموضع القفر، والمعصوم هنا ليس بعاصم بوجه، وقيل عاصِمَ معناه ذو اعتصام، ف عاصِمَ على هذا في معنى معصوم، ويجيء الاستثناء مستقيما، ومِنَ في موضع رفع، والْيَوْمَ ظرف، وهو متعلق بقوله: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أو بالخير الذي تقديره: كائن اليوم، ولا يصح تعلقه ب عاصِمَ لأنه كان يجيء منونا: لا عاصما اليوم يرجع إلى أصل النصب لئلا يرجع ثلاثة أشياء واحدا، وإنما القانون أن يكون الشيئان واحدا: لا وما عملت فيه، ومثال النحويين في هذه المسألة: لا أمرا يوم الجمعة لك، فإن أعلمت في يوم لك قلت: لا أمر.
وبَيْنَهُمَا يريد بين نوح وابنه، فكان الابن ممن غرق، وقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الآية، بناء الفعل للمفعول أبلغ في التعظيم والجبروت، وكذلك بناء الأفعال بعد ذلك في سائر الآية وروي أن أعرابيا سمع هذه الآية فقال: هذا كلام القادرين، و «البلع» هو تجرع الشيء وازدراده، فشبه قبض الأرض للماء وتسربه فيها بذلك، وأمرت بالتشبيه وأضاف الماء إليها إذ عليها وحاصل فيها، و «السماء» في هذه الآية، إما السماء المظلة، وإما السحب، و «الإقلاع» عن الشيء تركه، والمعنى: أقلعي عن الإمطار، وغِيضَ معناه نقص، وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى جفوف كقوله: وَغِيضَ الْماءُ، وكقوله: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [الرعد: ٨] وأكثر المفسرين على أن ذلك في الحيض، وكذلك قول الأسود بن يعفر:
ما غيض من بصري ومن أجلادي وذلك أن الإنسان الهرم إنما تنقصه بجفوف وقضافة وقوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ إشارة إلى جميع القصة:
بعث الماء وإهلاك الأمم وإنجاء أهل السفينة. وروي أن نوحا عليه السّلام ركب في السفينة من عين وردة بالشام أول يوم من رجب، وقيل: في العاشر منه، وقيل: في الخامس عشر، وقيل: في السابع عشر، واستوت السفينة في ذي الحجة، وأقامت على الْجُودِيِّ شهرا، وقيل له: اهبط في يوم عاشوراء فصامه وصامه من معه من ناس ووحوش: وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، وذكر أيضا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه».
وروي أن نوحا لما طال مقامه على الماء بعث الغراب ليأتيه بخبر كمال الغرق فوجد جيفة طافية فبقي عليها فلم يرجع بخبر، فدعا عليه نوح فسود لونه وخوف من الناس، فهو لذلك مستوحش، ثم بعث نوح الحمام فجاءته بورق زيتونة في فمها ولم تجد ترابا تضع رجليها عليه، فبقي أربعين يوما ثم بعثها فوجدت الماء قد

صفحة رقم 175

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية