تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح، ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يرسل رسولا إلا إذا عم الفساد.
إذن : فقد حصلت الغفلة من بعد نوح، وانضمت لها أسوة الأبناء بالآباء فانطمس المنهج، وعز على الموجودين أن يقيموه.
والله سبحانه وتعالى لا يبعث برسل جدد إلا إذا لم يوجد في الأمة من يرفع كلمة الله ؛ لأننا نعلم أن المناعة الإيمانية في النفس الإنسانية قد تكون مناعة ذاتية، بمعنى أن الإنسان قد تحدثه نفسه بالانحراف عن منهج الله، لكن النفس اللوامة تردعه وترده إلى الإيمان.
أما إذا تصلبت ذاته، ولم توجد لديه نفس لوامة، فالمناعة الذاتية تختفي، ولكن قد يقوم المجتمع المحيط بلومه.
ولكن إذا اختفت المناعة الذاتية، والمناعة من المجتمع فلا بد أن يبعث رب العزة سبحانه برسول جديد، وبينة جديدة، وبرهان جديد.
هكذا حدث من بعد نوح عليه السلام.
ولذلك يأتي قول الحق سبحانه :
وإلى عاد١ أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون٢ ( ٥٠ ) :
يفتتح الحق سبحانه الآية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسَل إليهم، فيخبرهم أنه أخوهم، ولا يمكن للأخ أن يريد لهم العنت، بل هو ناصح، مأمون عليهم، وعلى ما يبلغهم به.
وحين يقول لهم : يا قوم.. ( ٥٠ ) [ هود ] : فهذا للإيناس أيضا.
ثم يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده ؛ لأنهم اتخذوا غير الله إلها، وهذا قمة الافتراء.
والله سبحانه لم يقول : .. إن أنتم إلا مفترون ( ٥٠ ) [ هود ] : إلا لأن الفساد قد طمّ٣.
٢ - .. إن أنتم إلا مفترون (٥٠)[هود] كلمة [إن] هنا نافية بمعنى [ما] النافية، أي: ما أنتم إلا مفترون..
٣ - يقال للشيء الذي يكثر حتى يعلو: قد طم. ويقال: طم الماء إذا كثر. طم: غمر، ولذلك قيل ليوم القيامة: {فإذا جاءت الطامة الكبرى (٣٤) [النازعات] [راجع: لسان العرب، والقاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي