ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالرد الذي قاله قوم عاد :
قالوا يا هود ما جئتنا ببينة١ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ( ٥٣ ) :
وهم هنا ينكرون أن هودا قد أتاهم ببينة أو معجزة.
والبينة –كما نعلم- هي الأمارة الدالة على صدق الرسول.
وصحيح أن هودا هنا لم يذكر معجزته ؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي ؛ فمعجزة نوح عليه السلام هي الطوفان، ومعجزة إبراهيم عليه السلام أن النار صارت بردا٢ وسلاما عليه حين ألقوه فيها.
ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السلام :
.. يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي٣ وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة٤ ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ( ٧١ ) [ يونس ] : أي : إن كنتم أهلا للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان.
وأحكموا كيدكم ؛ لكنكم لن تستطيعوا قتل المنهج الرباني ؛ لأن أحدا لن يستطيع إطفاء نور الله في يد رسول من رسله ؛ أو أن يخلصوا الدنيا منه بقتله... ما حدث هذا أبدا.
إذن : فالبينة٥ التي جاء بها هود عليه السلام أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك الكفر ؛ وهو تحدي القادرين عليه ؛ لأنهم أهل طغيان ؛ وأهل بطش ؛ ومع ذلك لم يقدروا عليه ؛ مثلما لم يقدر كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم.
ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الشاملة وهي القرآن الكريم ؛ وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة.
ونعلم أن غالبية الرسل- عليهم جميعا السلام- قد جاءوا بمعجزات حسية كونية ؛ انتهى أمدها بوقوعها، ولولا أن القرآن يخبرنا بها ما صدقناها، مثلها مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفئ.
فمثلا شفى عيسى- عليه السلام- الأكمه٦ والأبرص٧-بإذن ربه- فمن رآه آمن به، ومن لم يره قد لا يؤمن، وكذلك موسى-عليه السلام- ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه ؛ ومن رآه آمن به، وانتهت تلك المعجزات ؛ لكن القرآن الكريم باق إلى أن تقوم الساعة.
ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل قيام الساعة أن يقول : محمد رسول الله ومعجزته القرآن ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء رسولا عاما ؛ ولا رسول من بعده ؛ لذلك كان لابد أن تكون معجزته من الجنس الباقي ؛ ومع ذلك قالوا له :
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا٨ ( ٩٠ ) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ( ٩١ ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا٩ أو تأتي بالله والملائكة قبيلا١٠ ( ٩٢ ) [ الإسراء ]، وكل ما طلبوه مسائل حسية ؛ لذلك يأتي الرد : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يثلى عليهم... [ ٥١ ) [ العنكبوت ].
ومع ذلك كذبوا.
وأضاف قوم عاد : .. وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ( ٥٣ ) [ هود ].
هم- إذن- قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الأصنام " آلهة " ؛ لأن الإله هو من ينزل منهجا يحدد من خلاله كيف يعبد ؛ ولم تقل الأصنام لهم شيئا ؛ ولم تبلغهم منهجا.
إذن : فالقياس المنقطي يلغى تصور تلك الأصنام كآلهة ؛ فلماذا عبدوها ؟ لقد عبدوها ؛ لأن الفطرة تنادي كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها ؛ والقوة المألوه لها إن كان لها أوامر تحد من شهوات النفس، فهذه الأوامر قد تكون صعبة على النفس، أما إن كانت تلك الآلهة بلا أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسها بها، ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر.
وهذه هي حجة كل ادعاء نبوة أو ادعاء مهدية١١ في هذا العصر، فيدعي النبي الكاذب النبوة، ويدعوا للاختلاط مع النساء، وشرب الخمر، وارتكاب الموبقات١٢، ويسمى ذلك دينا.
وتجد مثل هذه الدعاوى في البهائية١٣ والقاديانية١٤ ؛ وغيرها من المعتقدات الزائفة.
وقولهم : وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك.. ( ٥٣ ) [ هود ] : يعني : وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك.
وقولهم : .. وما نحن لك بمؤمنين ( ٥٣ ) [ هود ] : أي : وما نحن لك بمصدقين، لأن [ آمن ] تأتي بمعني متعددة١٥.
فإن عديتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه : .. وآمنهم من خوف ( ٤ ) [ قريش ].
وإن عديتها بحرف [ الباء ] مثل قول الحق سبحانه : ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم.. ( ٦٢ ) [ البقرة ] : فالمعنى يتعلق باعتقاد الألوهية.
وإن عديتها بحرف " اللام " ؛ مثل قول الحق سبحانه : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : تكون بمعنى التصديق.
٢ - البرد: ضد الحر، قال بعض العلماء: جعل الله في النار بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل "بردا وسلاما" لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل "على إبراهيم" لكان بردها باقيا على الأبد. انظر تفسير القرطبي (٦/٤٤٨٢)..
٣ - مقامي (بضم الميمي): أي: لإقامتي بينكم. ومنه قوله تعالى: وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا..(١٣) [الأحزاب] أي: لا إقامة لكم. راجع تفسير ابن كثير..
٤ - الغمة: التباس الأمر وعدم وضوحه. وقال تعالى: وظللنا عليكم الغمام..(٥٧) [البقرة]. [القاموس القويم]..
٥ - أبان الشيء يبين بيانا أي: ظهر واتضح، فهو بين، وهي بينة أي ظاهر وظاهرة، ويستعمل البين والبينة بمعنى المظهر والمظهرة والموضح والموضحة، وبالمعنيين يفسر قوله تعالى: كم آتيناهم من آية بينة..(٢١١) [البقرة] أي واضحة لا شك فيها، والبينة الحجة والبرهان يقول الحق: .. حتى تأتيهم البينة (١) رسول من الله...(٢) [البينة] وتبين الأمر: وضح وظهر. [القاموس القويم].
٦ -كمه يكمه كمها، فهو أكمه: ولد أعمى، أو فقد بصره فهو أكمه. قال تعالى: وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله..(٤٩) [آل عمران] [القاموس القويم].
.
٧ - الأبرص: هو من أصابه داء البرص، وهو مرض جلدي يحدث بقعا بيضاء في الجلد تشوهه، وهو من أعراض مرض الجذام، قال تعالى: وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني..(١١٠)[المائدة] [القاموس القويم]..
٨ - نبع الماء: خرج من العين. والينبوع: العين يخرج منها الماء غزيرا سهلا. والجمع: ينابيع. قال تعالى: فسلكه ينابيع في الأرض..(٢١) [الزمر] [القاموس القويم].
٩ - كسفا: قطعا. والكسفة: القطعة. وقال تعالى: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا... (٤٤) [الطور]. وقال تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء..(٩) [سبأ] [القاموس القويم]..
١٠ - القبيل: الجماعة أو العشيرة أو الأعوان المناصرون. قال تعالى: .. أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (٩٢){[الإسراء] معك ليؤيدوك [القاموس القويم]..
١١ - المقصود هؤلاء الذين يدعون أنهم المهدي المنتظر الذي جاء ذكره في أحاديث رواها البخاري في صحيحه، أنه يأتي في آخر الزمان، ويكون معاصرا لنزول عيسى بن مريم..
١٢ - الموبقات: المهلكات. أوبقه: أهلكه. وقال تعالى: {.. وجعلنا بينهم موبقا (٥٢) [الكهف] أي: جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الـآخرة [لسان العرب- مادة: وبق]..
١٣ - البهائية:/ طائفة ذات عقائد فاسدة، تنسب لـ ": الميرزا حسين على المازندراني" تربى بطهران، ولد عام ١٢٣٣هـ، أفكاره خليط من البوذية والمزدكية واليهودية والإسلام والمسيحية. انظر: حقيقة البابية والبهائية- د. محسن عبد الحميد ١٩٨٥م..
١٤ - القاديانية: تنسب لمرزا غلام أحمد من قاديان بلا هور من إقليم البنجاب بين الباكستان والهند، ولد ١٢٥٢هـ، وادعى النبوة.[القاديانية، نشأتها وتطورها. د. حسن عيسى- دار القلم/الكويت ١٩٨١م]..
١٥ - أمن يأمن: اطمأن ولم يخف. وأمن منه: سلم. وأمن على كذا: اطمأن إليه ووثق به، كقوله تعالى: قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل...(٦٤) [يوسف].
وآمن: اسم فاعل. قال تعالى: رب اجعل هذا البلد آمنا.. (٣٥) [إبراهيم]. أي: يأمن من يحل به.
وآمنه من خوف: جعله آمنا غير خائف. ومعاني المادة كلها ترجع إلى الثقة والاطمئنان. قال تعالى: .. وآمنهم من خوف (٤)[قريشٍ] أي: جعلهم آمنين لا يخافون؛ لأنهم جيران الحرم الآمن في البلد الآمن.
والمؤمن: من أسماء الله الحسنى، أي: واهب الأمن وباعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين؛ فلا خوف لمن يلجأ إليه سبحانه. قال تعالى: المؤمن المهيمن..(٢٣) [الحشر].
وآمن له: أذعن وخضع عن ثقة وحب وتقدير. قال تعالى: [ فآمن لوط..(٢٦)] العنكبوت. وآمن به: صدق به ووثق به عن اقتناع. قال تعالى: [إني آمنت بربكم فاسمعون (٢٥)} [يس].
والإيمان: الإذعان والتصديق. قال تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا..(١٥٨) [الأنعام] [القاموس القويم] بتصرف..
تفسير الشعراوي
الشعراوي