ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان هود عليه السلام : إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة١ إلا هو آخذ بناصيتها٢ إن ربي على صراط٣ مستقيم ( ٥٦ ) :
يعلن لهم هود عليه السلام حقيقة أنه يتوكل على الله تعالى الذي لا يعلوهم فقط، ولا يرزقهم وحدهم، بل هو الآخذ بناصية كل دابة تدب في الأرض ولها حرية وحركة، والناصية هي مقدم الرأس، وبها خصلة من الشعر.
وحين تريد إهانة واحد فأنت تمسكه من خصلة الشعر هذه وتشده منها.
والحق سبحانه وتعالى يقول : يعرف المجرمون بسيماهم٤ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ( ٤١ ) [ الرحمان ].
وفي آية أخرى يقول الله سبحانه : كلا لئن لم ينته لنسفعا٥ بالناصية( ١٥ ) [ العلق ].
إذن : فكيف لم يجرؤ قوم عاد على أن يسلطوا مجموعة ثعابين، وأعدادا من الكلاب المتوحشة – مثلا- على سيدنا هود عليه السلام.
لم يستطيعوا ذلك، وقد أعلن لهم سبب عجزهم عن الإضرار به حين قال لهم :
.. ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ( ٥٦ ) [ هود ].
ونحن نلحظ أنه عليه السلام قال في صدر٦ الآية : ربي وربكم... ( ٥٦ ) ، وفي عجز٧ الآية قال : .. إن ربي ( ٥٦ ) ، والسبب في قوله : ربي وربكم.. ( ٥٦ ) أنهم كانوا قادحين٨ في مسألة ربوبية الحق سبحانه.
لذلك قال عليه السلام في مجال السيطرة ربي وربكم أما في عجز الآية فقال :
.. إن ربي على صراط مستقيم ( ٥٦ ) [ هود ] : أي : أن الإله الواحد سبحانه له مطلق العدالة، ولم يأت هنا بشيء يخص أربابهم ؛ لأنه هنا يتحدث عن مطلق عدالة الحق سبحانه.
والحق سبحانه وتعالى على صراط مستقيم في منتهى قدرته، وقهره وسيطرته، ولا شيء يفلت منه، ومع كل قدرة الله تعالى اللامتناهية فهو لا يستعمل قهره في الظلم.

١ - الدابة: اسم فاعل، وغلب على غير العاقل، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وقد يشمل العاقل وغيره، كقوله تعالى: وبث فيها من كل دابة..(١٦٤) [البقرة] تشمل الإنسان وغيره. وقوله تعالى: وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم...(٦٠) [العنكبوت] الدابة هنا كل حيوان ما عدا الإنسان بدليل كلمة وإياكم] فالعطف يقتضي المغايرة. وقوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (٢٢) [الأنفال] تشمل الحيوان والإنسان الكافر.
وقوله تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة..(٢٩) [الشورى] والدابة هنا تشمل الكائنات الحية في الأرض والسماء، وفيها دليل على أن في السماء كائنات حية وعاقلة [القاموس القويم] بتصرف..

٢ - الناصية: ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس فوق الجبهة، ويسمى مكانه أيضا" ناصية" وأخذ بناصية فلان: قبض عليه وسيطر عليه متمكنا منه.
وقوله تعالى: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها..(٥٦) [هود] أي: مسيطر عليها مالك أمرها متصرف فيها. وقوله تعالى: .. فيؤخذ بالنواصي والأقدام (٤١) [الرحمان] أي: يجر المجرمون من نواصيهم وأقدامهم، فتربط ناصية المجرم مع قدميه، ويؤخذ فيلقى في النار عاجزا مهانا. وقوله تعالى: ناصية كاذبة خاطئة (١٦) [العلق] مجاز مرسل علاقته الجزئية، أي: صاحبها كاذب خاطئ [القاموس القويم]..

٣ - الصراط: لغة في السراط، وبهما قرئ- بالصاد، والسين- وهو السبيل والطريق للخير والشر، فمن الخير قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم (٦) [الفاتحة] وقوله تعالى: ... إن ربي على صراط مستقيم (٥٦) [هود]. ومن الشر والهلاك، قوله تعالى: .. فاهدوهم إلى صراط الجحيم (٢٣) [الصافات] والتعبير بقوله تعالى: فاهدوهم على سبيل التهكم والسخرية. [القاموس القويم]..
٤ - السيماء والسيما والسيمة: العلامة، وسوم الشيء: أعلمه يسومه أي: بعلامة [القاموس القويم]..
٥ - سفع بناصيته: قبض عليها فاجتذبها، أي: لنجذبنه من ناصيته إذلالا له، وذلك كناية عن الإذلال والقهر والإهانة [القاموس القويم ١/٣١٦]..
٦ - الصدر: مقدم كل شيء وأوله. والمراد بداية الآية الكريمة..
٧ - عجز كل شيء: مؤخره والمراد: نهاية الآية الكريمة..
٨ - القدح في الشيء: العيب فيه وانتقاصه. [راجع اللسان- مادة: قدح]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير