ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة١ ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ( ٦٠ ) :
والزمان بالنسبة للخلق ثلاثة أقسام : حياتهم زمن أول، ومن لحظة الموت إلى أن تقوم الساعة زمن ثان وهو زمن البرزخ٢، وساعة يبعثون هي الزمن الثالث.
والحياة الأولى فيها العمل، وحياة البرزخ فيها عرض الجزاء٣، مجرد العرض، والحياة الثالثة هي الآخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار.
يقول الحق سبحانه :
كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ( ٢٨ ) [ البقرة ] : هذه هي الأزمنة الثلاثة- حياة، وبرزخ، وبعث- وكل وقت منها له ظرف. ويعبر القرآن عن هذا، فيقول عن عذاب آل فرعون منذ أن أغرقهم الله سبحانه في البحر : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا٤ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ( ٤٦ ) [ غافر ].
وفي هذا دليل على عرض الجزاء في البرزخ مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار )٥.
إذن : فهنا زمنان : زمن عرضهم على النار غدوا وعشيا، وزمن دخولهم النار.
وهذا يثبت عذاب البرزخ ؛ لأن الإنسان الكافر يرى فيه موقعه من النار٦، ويرى نصيبه من العذاب، ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب.
وبالنسبة لقوم عاد، أذاقهم الله سبحانه العذاب في الدنيا، ثم يدخلهم النار يوم القيامة.
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية : ... ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ( ٦ ) [ هود ] : وكلمة " ألا " ٧ هي أداة تنبيه- كما قلنا من قبل- تنبه السامع إلى أهمية ما يلقيه المتكلم حتى لا يجابه السامع بالكلام وهو غافل، ولأن المتكلم هو الذي يقود زمام الكلام، فيجب ألا يستقبله السامع غافلا، فتأتي كلمة " ألا " كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلام.
والكلام عن قوم عاد الذين نالوا عذابا في الدنيا بالريح العقيم٨، ثم أتبعوا لعنة في البرزخ، وسوف يستقبلون يوم القيامة باللعنات ؛ فهذه لعنات ثلاث.
وجاء الحق سبحانه وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرق قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم من لعن، فبين بكلمة " ألا " أي : تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم.
وللجريمة زمن، وللعقوبة عليها زمن، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا، وهو كفر في القمة ؛ لذلك نالوا عقابا في الدنيا.
والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء، لأن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية ؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ، ثم تأتي لهم لعنة الآخرة.
وهم لم يكفروا بنعمة ربهم، بل كفروا بربهم.
والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا تعدو ولا تحصى ؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل.
وقد أوضح لهم هود عليه السلام :
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها٩ إن ربي على صراط مستقيم ( ٥٦ ) [ هود ] : أي : أن الحق سبحانه عادل.
وأنت حين تسمع جريمتهم ؛ تنفعل وتطلب أقصى العقاب لهم ؛ ولذلك يأتي قول الحق سبحانه : .. ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ( ٦٠ ) [ هود ] :
فأنت لا تكتفي بلعنتهم الأولى، بل تلعنهم مرة أخرى.
ولسائل أن يقول : ولماذا يقول الحق سبحانه هنا : ... ألا بعدا لعاد قوم هود ( ٦٠ ) [ هود ].
ونقول : لقد قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن : وأنه أهلك عادا الأولى ( ٥٠ ) [ النجم : وهذا يوضح لنا أن " عادا " كانت اثنتين : عادا الأولى، وهم قوم عاشوا وضلوا فأهلكهم الله، وهناك عاد الثانية١٠.
٢ - البرزخ: الحاجز بين الشيئين، قال تعالى: مرج البحرين يلتقيان (١٩) بينهما برزخ لا يبغيان (٢٠) [الرحمان] أي: بين البحرين حاجز من الأرض يحجز كلا منهما في مجراه؛ فلا يبغي ولا يطغى على الآخر. وقال تعالى: ... ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (١٠٠) [المؤمنون] أي: حاجز يحجزهم عن الرجوع إلى الدنيا حتى يوم القيامة وتسمى فترة القبور فترة البرزخ، من مات فقد دخل البرزخ إلى يوم القيامة [القاموس القويم]..
٣ - قال تعالى عن عذاب آل فرعون: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (٤٦) [غافر] فهذا عرض للجزاء عليهم، وهو في حد ذاته عذاب..
٤ - الغدو: الدخول في الغداة، أو السير أول النهار. قال تعالى: غذوها شهر..(١٢) [سبأ] أي: مدة سير الرياح في وقت الغداة تقطعها القوافل في شهر.
ويقابل الغدو بالعشي وبالآصال، قال تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا..(٤٦) [غافر] وقال تعالى: .. يسبح له فيها بالغدو والآصال (٣٦) [النور]. [القاموس القويم]..
٥ - أخرجه الترمذي والطبراني في الكبير عن أبي سعيد، والطبراني في الكبير عن أبي هريرة وسندهما ضعيف. وانظر مجمع الزوائد (٣/٤٦) ومسند الفردوس للديلمي (٣/٢٣١)..
٦ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) أخرجه البخاري في صحيحه [١٣٧٩] ومسلم في صحيحه [٢٨٦٦]..
٧ ألا: أداة استفتاح وهي مركبة من همزة الاستفهام ومن لا النافية، وتكون للتنبيه فتدل على تحقيق ما بعدها وتقريره كقوله: ألا إنهم هم السفهاء...(١٣) [البقرة] وتكون للعرض والتحضيض والحث، كقوله تعالى: ألا تحبون أن يغفر الله لكم..(٢٢) [النور] [القاموس القويم ١/٢٧]..
٨ - ذلك كان عذاب قوم عاد، كما قال تعالى: وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (٤١) [الذاريات] والريح العقيم هي التي لا خير فيها- بل هي تهلك وتدمر. وذلك وصف على المجاز بالاختصار [القاموس القويم صـ ٣١ جـ٢]..
٩ الناصية: ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس فوق الجبهة. ويسمى مكانه أيضا ناصية- وأخذ بناصية فلان: قبض عليه وسيطر عليه متمكنا منه، قال تعالى: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها..(٥٦) [هود] مسيطر عليها ومالك أمرها متصرف فيها.
[القاموس القويم بتصرف صـ ٢٧٠ حـ٢]..
١٠ - وهذا يتوافق مع ما قاله القرطبي في تفسيره [٤/٣٣٦٩] أنهما عادان، عاد الأولى، وعاد الأخرى، فهؤلاء- أي: قوم هود هم الأولى، وأما الأخرى فهي أقوام عاشت في جزيرة العرب. وهم المذكورون في قوله تعالى: إرم ذات العماد (٧) [الفجر]، ويقول [٣/٢٧٥٢]: "كان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما روى ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون رمال عالج، وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت فيما روى بنواحي حضر موت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام، ولحق هود حين أهلك قومه- بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي