الربع الأخير من الحزب الثالث والعشرين
في المصحف الكريم
بعدما تناولت عدة آيات كريمة في الربع الماضي قصة هود عليه السلام مع قومه عاد، وبينت ما بذله من جهد بالغ ونصح مستمر، في سبيل هدايتهم إلى الإيمان بالله، وحضهم على التوبة إلى الله، وتعريفهم بما يستتبعه الإيمان والتقوى من الحياة الطيبة والمتعة والقوة : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم وتعريفهم بما يؤدي إليه الإصرار على الكفر والضلال، من تعذيب وإبادة واستئصال، واستخلاف للغير واستبدال فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوما غيركم، ولا تضرونه شيئا ، انتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة صالح مع قومه ثمود، ونظرا لأن بداية هذه القصة صادفت نهاية الربع الماضي أجلنا الشروع فيها إلى هذا الربع، حتى نقدم تفسيرها في صعيد واحد.
وأول ما يواجهنا من قصة صالح أن الدعوة التي وجهها إلى قومه ثمود هي صورة طبق الأصل من دعوة من سبقه من الأنبياء والمرسلين، وخلاصتها الأمر بعبادة الله دون سواه، والتعريف بأنه لا إله في الحقيقة إلا الله، فهذا هو مفتاح الدعوة ومدخلها الوحيد إلى تحرير الإنسان، من كل عبودية لأخيه الإنسان، سواء كانت تلك العبودية عبودية جسمية للطغاة المتجبرين، أو عبودية وهمية للدجاجلة المشعوذين وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .
ثم بين صالح لقومه ثمود أن الله تعالى هو وحده الذي يستحق أن يرجى ويخاف، وأن يطاع أمره، ويتجنب نهيه، فهو الذي بيده الإعطاء والمنع، وعلى يده الضر والنفع، وهو مصدر كل النعم التي يتمتع بها الإنسان بدءا واستمرارا، وما دام الإنسان مدينا بوجوده أولا، وبرزقه ثانيا للحق سبحانه وتعالى، فالمنطق السليم يقضي على الإنسان بأن يتوجه إليه، ويعتمد عليه، وما دامت أقرب وسلة للتحلي بالفضائل هي التخلي عن الرذائل، فما على الإنسان إلا أن يستغفر الله ويقبل عليه، فيجده أقرب إليه من نفسه التي بين جنبيه هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها أي خلقكم لعمارتها وجعل لكم فيها معايش فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب . وقوله تعالى هنا : إن ربي قريب مجيب على غرار قوله تعالى في آية أخرى : وإذا سألك عبادي عني فاني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان |البقرة : ١٨٦|.
فما كان من قوم صالح إلا أن أجابوا نبيهم بنفس الجواب التقليدي الذي اعتاد خصوم الرسالات أن يجيبوا بمثله كافة الأنبياء والرسل، وهذا الجواب يكون عادة عبارة عن مزيج من التكذيب والتجريح والاستهزاء، ومهما اختلفت ألفاظه فإن المعنى الذي يعبر عنه واحد في نهاية الأمر.
وهكذا رأينا مرة أخرى أن الدعوة التي يدعو إليها الأنبياء والرسل دعوة واحدة، يجددها الواحد بعد الآخر، وأن موقف خصوم الأنبياء والرسل موقف واحد يقلد فيه بعضهم بعضا، ويتوارثونه خلفا عن سلف، كما رأينا أن مصير أهل الفسق والكفر مصير واحد هو الخسران المبين والعذاب الأليم، ومصير أهل التقوى والإيمان مصير واحد هو الرضوان الأكبر والفوز العظيم.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري