ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
وإلى ثمود١ أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم ٢ من الأرض واستعمركم٣ فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ( ٦١ ) :
ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبين لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحدا منهم هو صالح عليه السلام.
وجاء الحق سبحانه بلفظ [ أخاهم ] ليبين العلاقة التي بين صالح- عليه السلام- وقومه، فهو قد نشأ بينهم، وعرفوه وخبروه، فإذا ما جاءهم بدعوة- وقد لمسوا صدقه- فلا بد أن يؤمنوا بما جاء به من منهج.
وناداهم صالح عليه السلام :[ يا قوم ]، وهي من القيام، يعني : يا من تقومون للأمور، والذي يقوم على الأمر عادة هم الرجال ؛ لأن أمر النساء مستور- دائما- في طي الرجل، فليس كل حكم من أحكام الدين يأتي فيه ذكر المرأة، بل نجد كثيرا من الأحكام تنزل للرجال، والنساء مطويات على الستر في ظل الرجال، والرجل يشقى ويكدح، والمرأة تدير حياة السكنى وتربية الأولاد.
ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على ألا تخرج المرأة للعمل.
إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها، ولكن إن وجدت من يقوم عليها، فلماذا لا تلفت إلى عمل لا يقل أهمية عن عمل الرجل، وهو رعاية الأسرة ؟
وكذلك نجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على الحجاب، ونقول لمن يفعل ذلك : إذا كنت لم تنتقد التهتك في الملابس، ووصفته بأنه " حرية "، فلماذا تتدخل في أمر الحجاب، ولا تعتبره " حرية " أيضا.
ونعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. ( ٦١ ) والعبادة تقتضي تلقي أوامر الإله المعبود ب " افعل " و " لا تفعل " ٤ في كل حركة من حركات الحياة.
فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود اعبدوا الله وأمر عبادة الله وحده مطلوب من كل أحد، ولا يسع أحدا مخالفته.
ما لكم من إله غيره.. ( ٦١ ) [ هود ] : تقرير واقع لا تستطيعون تغييره، فليس لكم إله آخر غير الله، مهما حاولتهم ادعاء آلهة أخرى.
ويقول الحق سبحانه : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. ( ٦١ ) [ هود ].
والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من غير واسطة شيء، ويقال : أنشأ، أي : أوجد وجودا ابتداء من غير الاستعانة بشيء آخر.
لذلك لا نقول لمن اخترع : إنه " أنشأ " لأنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه ؛ فقد يكون مستعينا بمادة أخذها من الجبال، وبخبرة تجارب صنعها من سبقوه، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشئ من عدم.
والوجود من العدم قسمان : قسم أوجدته باستعانة بموجود، وقسم أوجدته من عدم محض، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا سبحانه وتعالى.
والحق سبحانه جلت مشيئته في الإنشاء، فهو ينشئ الإنسان من التقاء الزوج والزوجة، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السلام، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض، والأرض مخلوق من مخلوقات الله.
فمني الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتي من الأرض، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض، أو أبقيتها في ذريته، فكل شيء مرده إلى الأرض.
وقول الحق سبحانه : أنشأكم من الأرض واستعمركم٥ فيها... ( ٦١ ) [ هود ] : نجد فيه كلمة استعمركم وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب٦، وهكذا يكون معنى كلمة " استعمر " هو طلب التعمير.
ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلادا أخرى : " دول الاستعمار ".
أقول : إن ذلك خطأ، لأنهم لو كانوا دول استعمار، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الأرض، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض ؛ ولذلك كان يجب أن تسمى " دول الاستخراب ".
و استعمركم فيها أي : طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين : أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، أو يزيدوه صلاحا.
وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى المنازل بعد اكتشاف نظرية الأواني المستطرقة٧، فقد كان الناس يشربون الماء من الترع، ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه، ثم جاءت نظرية الأواني المستطرقة، فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية، وتوصيل الماء بواسطة مواسير تدخل لكل بيت.
وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل، وهكذا يزداد في الأمر الصالح صلاحا.
وأيضا إن استصلحنا الأرض البور، فنحن نزيد الأرض رقعة صالحة لإنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة في عدد السكان.
ومادام عدد السكان في زيادة فلا بد من زيادة رقعة الأرض بالاستصلاح ؛ لأن الأزمة التي نعاني منها الآن، هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا، فزاد التكاثر عن الاستصلاح، وكان الواجب يقتضي أن نزيد من الاستصلاح بما يتناسب مع الزيادة في السكان.
وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض.
ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلى على الخلق بصفات من صفاته، فالقوي يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويهب الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه قبضا، ومن بسطه بسطا، ومن غناه غنى ؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا.
والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني منا قد يصيبه الفقر ؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل.
ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل ؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمرا- على سبيل المثال- فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة٨ وهو من سبقه، فيلزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين-وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحأ- وليستفيد بها من يأتي من بعده.
ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه " ثمود " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : .. فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ( ٦١ ) [ هود ] : فإن استغفر الإنسان، فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب لا تمثل حقوقا للناس، والله سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة٩.

١ - ثمود: قبيلة من العرب الأول. ويقال: إنهم من بقية عاد وهم قوم صالح. [راجع: لسان العرب- مادة ثمد].
٢ - أنشأ الشيء: أوجده وأحدثه وخلقه. وأنشأ الله السحاب" كونه وأظهره في السماء. قال تعالى: .. وينشئ السحاب الثقال(١٢)[الرعد] أي: يكون السحب الممتلئة بالماء، وأنشأكم من الأرض: خلقكم منها. [القاموس القويم] بتصرف..
٣ - عمر فلان الدار: بناها، وعمر القوم المكان: سكنوه، فهو معمور. وعمرت الدار بأهلها؛ فهي عامرة. قال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله..(١٨) [التوبة] أي: يقيم فيها الصلاة ويجلس فيها للعلم ويمكث للاعتكاف، ويبنيها ويحافظ عليها؛ فكل ذلك من عمارتها.
وقوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله..(١٩) [التوبة] أي: أن عمارة المسجد بغير إيمان لا وزن لها؛ فالإيمان هو أساس لقبول الأعمال. واستعمره في المكان: جعله يعمره قال تعالى: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..(٦١) [هود]. [القاموس القويم ٢/٣٥]..

٤ - إن مدار التكليف في حياة الناس لا يخرج عن الأمر والنهي، فمن الأمر نأخذ الفرض والسنة والمستحب والمندوب والتطوع والواجب والحلال، وكل ما يرضي الله لسعادة البشرية، والنهي يكون عن الحرام والمكروه. وحركة الحياة منوطة بافعل كأمر، ولا تفعل كنهى، وفي النهي عند الاستجابة سعادة، وعند المخالفة شقاء..
٥ - استعمركن فيها: أذن لكم في عمارتها واستخراج قومكم منها وجعلكم عمارها. [راجع اللسان: مادة عمر]..
٦ - قال القاضي أبو بكر بن العربي: تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان:
- منها: استفعل، بمعنى طلب الفعل كقوله: استحملته أي: طلبت منه حملانا.
- وبمعنى: اعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر، أي: اعتقدته سهلا، أو وجدته سهلا. واستعظمته أي: اعتقدته عظيما ووجدته.
- وبمعنى: أصبت، كقولهم: استجدته أي: أصبته جيدا.
- ومنها بمعنى: فعل، كقوله: قرفي المكان واستقر. نقله القرطبي في تفسيره [٤/٣٣٧٥]..

٧ - الأواني المستطرقة: عدة أنابيب مختلفة الأحجام والأشكال، متصل بعضها ببعض بأنبوبة أفقية، فإذا وضع سائل في إحدى هذه الأنابيب ارتفع سطح السائل إلى مستوى أفقي واحد. [المعجم الوسيط]..
٨ - النخل شجر الرطب والتمر والبلح، واحده نخلة، وجمع النخلة نخيل قال تعالى: وهزي إليك بجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (٢٥) [مريم] وقال تعالى: ومن النخل من طلعها قنوان دانية..(٩٩) [الأنعام] وقال تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب..(٢٦٦) [البقرة]..
٩ - عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) أخرجه الترمذي في سننه [٣٥٤٠] وقال: (حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وقد أخرجه أحمد في مسنده [٥/١٥٤] والدرامي في سننه [٢/٣٢٢] من حديث أبي ذر الغفاري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير