ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه( ١ ) على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا( ٢ ) ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين( ٧ ) :
وقد تعرض القرآن الكريم لمسألة خلق الأرض والسماء أكثر من مرة.
وقلنا من قبل : إن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يخلق الأرض والسماوات في ستة أيام من أيام الدنيا، وكان من الممكن أن يخلقها في أقل من طرفة عين بكلمة " كن " وعرفنا أن هناك فارقا بين إيجاد الشيء، وطرح مكونات إيجاد الشيء.
ومثال ذلك-ولله المثل الأعلى-حين يريد الإنسان صنع " الزبادي "، فهو يضع جزءا من مادة الزبادي-وتسمى " خميرة " -في كمية مناسبة من اللبن الدافئ، وهذه العملية لا تستغرق من الإنسان إلا دقائق، ثم يترك اللبن المخلوط بخميرة الزبادي، وبعد مضي أربع وعشرين ساعة يتحول اللبن المخلوط بالخميرة إلى زبادي بالفعل.
وهذا يحدث بالنسبة لأفعال البشر، فهي أفعال تحتاج إلى علاج، ولكن أفعال الخالق سبحانه وتعالى لا علاج فيها ؛ لأنها كلها تأتي بمكلمة " كن ".
أو كما قال بعض العلماء : إن الله شاء أن يجعل خلق الأرض والسماوات في ستة أيام، وقد أخذ بعض المستشرقين من هذه الآية، ومن آيات أخرى مجالا لمحاولة النيل من القرآن الكريم، وأن يدّعوا أن فيه تعارضا، فالحق سبحانه وتعالى هنا يقول : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. ( ٧ ) [ هود ]. وجاءوا إلى آية التفصيل وجمعوا ما فيها من أيام، وقالوا : إنها ثمانية أيام، وهي قول الحق سبحانه : قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا( ٣ ) ذلك رب العالمين( ٩ ) وجعل فيها رواسي( ٤ ) من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها( ٥ ) في أربعة أيام سواء للسائلين ( ١٠ ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان( ٦ ) فقال لها للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين( ١١ ) فقضاهن( ٧ ) سبع سموات في يومين.. ( ١٢ ) [ فصلت ] : وهنا قال بعض المستشرقين : لو كانت هذه هي قصة الخلق للأرض والسماوات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل.
وقال أحدهم : لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح، وأعطيت فلانا خمسة أرادب وفلانا ثلاثة أرادب، وفلانا أعطيته إردبين، وبذلك ينفد( ٨ ) ما عندي ؛ لأن التفصيل مطابق للإجمال.
وادّعى هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال. ولم يفطنوا على أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى، وهو يكلم أناسا لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة ؛ وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون.
هم فهموا، كأهل فصاحة، أن الحق-سبحانه وتعالى-قد خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسي وبارك فيها، إما في الأرض أو في الجبال، وقدّر فيها أقواتها، وكل ذلك تتمة للحديث عن الأرض.
ومثال ذلك : حين أسافر إلى الإسكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة-مثلا-وإلى الإسكندرية في ساعتين، أي : أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي السفر إلى الإسكندرية.
وكذلك خلق الأرض والرواسي وتقدير القوت، كل ذلك في أربعة أيام( ٩ ) متضمنة يومي خلق الأرض( ١٠ )، ثم جاء خلق السماء في يومين.
ثم يقول الحق سبحانه : وكان عرشه على الماء.. ( ٧ ) [ هود ] : كل هذه المسائل الغيبية لها حجة أساسية، وهي أن الذي أخبر بها هو الصادق، فلا أحد يشك أن الأرض والسماوات مخلوقة، ولا أحد يشك في أن السماوات والأرض أكبر خلقا من خلق الناس، وليس هناك أحد من البشر ادّعى أنه خلق الأرض أو خلق السماوات.
وكل المخترعات البشرية نعرف أصحابها، مثل : المصباح الكهربي، والهاتف، والميكروفون، والتليفزيون، والسيارة، وغيرها.
ولكن حين نجيء إلى السماوات والأرض لا نجد أحدا قد ادعى أنه قد خلقها.
وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه هو الذي خلقها، وهي لمن ادّعاها إلى أن يظهر معارض، ولن يظهر هذا المعارض أبدا.
وكل هذا الخلق من اجل البلاء : ليبلوكم( ١١ ) أيكم أحسن عملا.. ( ٧ ) [ هود ] : أي : ليختبركم أيكم أحسن عملا( ١٢ )، ولكن من الذي يحدد العمل ؟ إنه الله سبحانه وتعالى.
وهل الحق سبحانه في حاجة إلى أن يختبر مخلوقاته ؟
لا، فالله سبحانه يعلم أزلا كل ما يأتي من الخلق، ولكنه سبحانه أراد بالاختبار أن يطابق ما يأتي منهم على ما علمه أزلا ؛ حجة عليهم.
وهكذا فاختبار الحق سبحانه لنا اختبار الحجة علينا.
ثم يقول الحق سبحانه : .. ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين( ٧ ) [ هود ] : وهنا يصور الحق-سبحانه وتعالى-تكذيب المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يلقون بالألفاظ على عواهنها( ١٣ ) من قبل أن تمر على تفكيرهم.
فلو أنهم قد مروا بهذه الكلمات على تفكيرهم ؛ لاستحال منطقيا أن يقولوها.
والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم ببلاغ الحق سبحانه وتعالى بأنهم مبعوثون من بعد الموت.
وهذا كلام إخباري بأنهم إن ماتوا-وهم سيموتون لا محالة-سيبعثهم الله سبحانه، فما كان منهم إلا أن قالوا : .. إن هذا إلا سحر مبين( ٧ ) [ هود ] : والخبر الذي يقوله لهم هو خبر، فما موقع السحر منه ؟ إنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك إلا من نص القرآن الكريم، وهم يقولون عن القرآن الكريم إنه سحر، فكأن النص نفسه من السحر الذي حكموا به على القرآن.
وأوضحنا من قبل أن إبطال قضية السحر في القرآن دليله منطقي مع القول ؛ لأنهم إن كانوا قد ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن محمدا-في عرفهم-قد سحر القوم الذين اتبعوه.
فالساحر له تأثير على المسحور، والمسحور لا دخل له في عملية السحر، فإذا كان محمد قد سحر القوم الذين اتبعوه، فلماذا لم يسحر هؤلاء المنكرين لرسالته ؛ بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم ؟
وحيث إنهم قد بقوا على ما هم عليه من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن المسألة ليست سحرا، ولو كان الأمر كذلك لسحرهم جميعا.
وقولهم : .. إن هذا إلا سحر مبين( ٧ ) [ هود ] : يدل على أنه سحر محيط، لا سحر لأناس خاصين، فكلمة سحر مبين تعني : سحرا محيطا بكل من يريد سحره.
وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول الله يدل على أن المسألة ليست سحرا.
٢ ليبلوكم: ليختبركم، وهو أعلم بأمركم.
أحسن عملا: أطوع لله وأروع عن محارمه.[كلمات القرآن]..
٣ الند: المثل والنظير. وجمعه: أنداد. وقال تعالى:فلا تجعلوا لله أندادا..(٢٢)[البقرة] أي: أمثالا شركاء. تعالى الله عما يقولون [القاموس القويم] بتصرف..
٤ رسا الشيء يرسوا رسوا: ثبت ورسخ، وأرساه: جعله ثابتا راسخا، وأرسى السفينة: ثبتها على الشاطئ فلا تسير. والمراد بالرواسي: الجبال لأنها تثبت الأرض حتى تستقر ولا تميل. قال تعالى:وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم..(١٥)[النحل] وقال تعالى:والجبال أرساها(٣٢)[النازعات].[القاموس القويم-بتصرف]..
٥ الأقوات: جمع قوت. وهو ما يمسك الرمق من الرزق. وفي الصحاح للجوهري: هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام.[اللسان-مادة: قوت]..
٦ ثم استوى إلى السماء وهي دخان..(١١)[فصلت]. الدخان: بخار الماء المتصاعد منها حين خلقت الأرض. ذكره ابن كثير في تفسيره [٤/٩٣]..
٧ قال فقضاهن: خلقهن. فالقضاء هنا بمعنى الخلق. وهي من الكلمات التي تأتي على وجوه كثيرة من المعاني، ومن معانيها:
الفراغ:فإذا قضيتم مناسككم..(٢٠٠)[البقرة].
الأمر:وإذا قضى أمرا..(١١٧)[البقرة].
العهد:إذ قضينا إلى موسى الأمر..(٤٤)[القصص]
الوصية:وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه..(٢٣)[الإسراء]..
٨ نفد-ينفد نفدا ونفادا: فني وذهب وانقطع ولم يبق، من النفاد، وهو الانتهاء. وقال تعالى:ما عندكم ينفد وما عند الله باق..(٩٦)[النحل]..
٩ اليوم: في علم الفلك الحديث مقدار دوران الأرض حول محورها مرة، ومدته أربع وعشرون ساعة تقريبا، وجمعه أيام. وأيام العرب: وقائعهم الحربية. وأيام الله أيام حلت فيها نقم الله وعذابه على الأمم الماضية العاصية، وأيامه التي أنعم فيها على أمم مطيعة صالحة.
ويوم الدين: يوم القيامة. ويم حنين: حدثت فيه موقعة حنين. واليوم عند الله مقداره يختلف عن اليوم عندنا فأحيانا يكون ألف سنة، ولكل نجم يومه، ولكل كوكب يومه. قال تعالى:.. وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون(٤٧)[الحج]. وقد يكون المقدار خمسين ألف سنة، مصدقا لقوله تعالى:.. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(٤)[المعارج]، وبهذا التقدير نفهم معنى قوله تعالى في خلق السماوات والأرض:فقضاهن سبع سموات في يومين..(١٢)[فصلت] فالله أعلم بمقدار هذين اليومين.[القاموس القويم-بتصرف]..
١٠ ولذلك قال أبو يحيى زكريا النصاري في كتابه "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن: ص ٣٧٣:"يوما خلق الأرض من جملة الأربعة بعدهما، والمعنى في تتمة أربعة أيام، وهي مع يومي خلق السماوات ستة أيام. يوم الأحد والاثنين لخلق الأرض، ويوم الثلاثاء والأربعاء للجعل المذكور في الآية وما بعده، ويم الخميس والجمعة لخلق السماوات"..
١١ بلوت الشيء- ألوه بلوا وبلاء: امتحنته واختبرته، قال تعالى:ونبلوكم بالشر والخير فتنة..(٣٥)[الأنبياء] أي: نختبركم بالشر والنعم، أو بالخير والنعم؛ لنعلم مدى صبركم أو شكركم ومدى إيمانكم أو كفركم. وقوله تعالى:هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت..(٣٠)[يونس] أي: تعرف حقيقة عملها الذي قدمته كما يعرف المختبر الشيء الذي يختبره. وقوله تعالى:.. ونبلو أخباركم(٣١)[محمد]أي: نعرف صدقها من كذبها. ومن أغراض البلاء والابتلاء إظهار حقيقة العمل والتمييز بين العمل الحسن وغيره؛ تمهيدا للثواب أو العقاب.[القاموس القويم] بتصرف..
١٢ قال عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا:أيكم أحسن عملا..(٧)[هود]. قال:"أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله" أورده القرطبي في تفسيره(٤/٣٣٢٧) والسيوطي في الدر المنثور (٤/٤٠٤) وعزاه لابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه بنحوه..
١٣ ألقى الكلام على عواهنه: لم يتدبره، وقيل: هو إذا لم يهتم أصاب أو أخطأ، وقيل: إذا تهاون به. وقال ابن الأثير: العواهن أن تأخذ غير الطريق في السير أو الكلام، جمع عاهنة. وعهن الشيء: أي: أرسل الكلام على ما حضر منه وعجل، من خطأ وصواب. أي: عدم التفكير في الكلام قبل التلفظ به وإلقاؤه على علاته.[اللسان: مادة (ع هـ ن)] بتصرف..
تفسير الشعراوي
الشعراوي