قصة شعيب عليه السلام مع قومه
تقدمت قصة شعيب في بضع آيات من سورة الأعراف من الآية ٨٥-٩٢ وها هي ذي نسقت هنا في اثنتي عشرة آية من الآية ٨٤-٩٥ وفي كل منها من الحكم والأحكام والمواعظ ما ليس في الأخرى، مع السلامة من الاختلاف والتفاوت والتعارض، وقد تكلمنا على نسبه وما ورد فيه وفي قومه في تفسيرها من سورة الأعراف فتراجع في جزء التفسير الثامن.
وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ( ٨٤ ) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( ٨٥ ) بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ( ٨٦ )
هذه الآيات الثلاث في تبليغ شعيب قومه الدعوة، وهي الأمر بتوحيد الله في العبادة، والنهي عن أشد الرذائل فشوا فيهم والأمر بالفضيلة التي تقابلها.
قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ( ٨٧ ) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ( ٨٨ ) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ( ٨٩ ) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ( ٩٠ )
هذه الآيات استئناف بياني كأمثالها من المراجعات في مناقشة قوم شعيب له بالآراء التقليدية في التدين والإيمان، والنظريات الشيطانية في الحرية والأموال.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أي يا قومي الذين أنا منهم وهم مني، وأحب لهم ما أحب لنفسي، أخبروني عن شأني وشأنكم إن كنت على حجة واضحة من ربي فيما دعوتكم إليه وما أمرتكم به وما نهيتكم عنه فكان وحيا منه لا رأيا مني. ورزقني منه رزقا حسنا في كثرته وفي صفته، وهو كسبه بالحلال بدون تطفيف مكيال ولا ميزان، ولا بخس لحق أحد من الناس، فأنا مجرب في الكسب الطيب وما فيه من خير وبركة، لا فقير معدم أخترع الآراء النظرية فيما ليس لي خبرة به، أي أرأيتم والحالة هذه ماذا أفعل ؟ وماذا أقول لكم غير الذي قلته عن نبوة ربانية، وتجارب غنى مالية ؟ هل يسعني الكتمان أو التقصير في البيان ؟
وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه أي وإنني على بينتي ونعمتي ما أريد أن أخالفكم في ذلك مائلا إلا ما أنهاكم عنه مؤثرا لنفسي عليكم، بل أنا مستمسك به قبلكم. وأصل المخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في قوله أو فعله أو حاله، وأن يقال خالفه في الشيء، فإذا خالفه فيما هو مول عنه تارك له قيل خالف إليه، وإذا خالفه فيما هو مقبل عليه قيل خالفه عنه، وفي كل منهما تضمين الفعل معنى الميل إليه أو عنه، أو الرغبة فيه أو عنه. ومن الثاني قوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : ٦٣ ] أي يخالفون الرسول راغبين عن أمره مائلين عنه.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي ما أريد إلا الإصلاح العام فيما آمر به وفيما أنهى عنه ما دمت أستطيعه لأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ليس لي هوى ولا منفعة شخصية خاصة بي فيهما، ولولا ذلك لما فعلته. قال القاضي البيضاوي : ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة : أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها حق النفس، وثالثها حق الناس، وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم وأنهاكم عما نهيتكم. وما مصدرية واقعة موقع الظرف، وقيل خبرية بدل من الإصلاح، أي المقدر الذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف اه. وفي هذا إثبات لعقله ورويته ولرشده وحكمته، وهو إبطال لتهكمهم واستهزائهم بلقب الحليم الرشيد، والنبي فوق ذلك.
وما توفيقي إلا بالله التوفيق ضد الخذلان، وهو الفوز والفلاح في إصابة الإصلاح، وكل عمل صالح وسعي حسن، فإن حصوله يتوقف على التوفيق بين شيئين : أحدهما كسب العالم وطلبه الشيء من طريقه، وثانيهما موافقة الأسباب الكونية والخارجية التي يتوقف عليها النجاح في كسبه وسعيه، وتسخيرها إنما يكون من الله وحده، والمعنى : وما توفيقي لإصابة ذلك فيما أستطيعه منه إلا بحول الله وقوته، وفضله ومعونته، وأعلاها ما خصني به دونكم من نبوته ورسالته.
عليه توكلت في أداء ما كلفني من تبليغكم ما أرسلت به، لا على حولي وقوتي.
وإليه أنيب أي وإليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا، وإلى الجزاء على أعمالي في الآخرة، فأنا لا أرجو منكم أجرا، ولا أخاف منكم ضرا.
تفسير المنار
رشيد رضا