ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

لكن شعيبا لا يسلك في الرد على قومه مسلكهم في المراء والاستهزاء، بل يرد عليهم الرد اللائق بمقام الأنبياء والمصلحين، مؤكدا لهم أن التعليمات التي بلغها إليهم عن ربهم ليست موجهة إليهم دونه، بل هو أول من ينفذها، وأنه ليس ممن يأمر بالبر غيره، ثم ينسى نفسه وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .
ثم عقب شعيب على ما دار بينه وبين كفار قومه بما يوضح الهدف الأساسي، من كل رسالة إلهية بعث الله بها إلى الناس، وهذه الرسالة تتلخص أولا وأخيرا في إصلاح أحوال الناس إصلاحا شاملا، تصلح معه عقيدتهم، وتصلح معه شريعتهم، ويصلح معه سلوكهم، ويصلح معه مجتمعهم، وتصلح معه معايشهم، وتصلح معه علاقاتهم. وهكذا يتسرب الإصلاح إلى كل زاوية من زوايا حياتهم الظاهرة والباطنة، فيصبحون أمة فاضلة وصالحة، ويصبح مجتمعهم مجتمعا فاضلا وصالحا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا على لسان شعيب عليه السلام إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب .
وها هنا كلمتان في غاية الأهمية لا بد من الوقوف عندهما ولو قليلا، ألا وهما كلمة الإصلاح وكلمة التوفيق . فكلمة الإصلاح تعني على العموم الإتيان بما هو صالح ونافع ومناسب، من الصلاح، ضد الفساد، وأصل معنى " الفساد " في لغة العرب زوال منفعة الشيء وتعذر المقصود منه، وأطلق الفساد في لسان الشرع على الشرك بالله الذي هو منبع جميع الضلالات والبدع، وعلى إذاية الخلق، كما في قوله تعالى : والله لا يحب الفساد |البقرة : ٢٠٥| سواء كانت تلك الإذاية عامة لمجموعهم، أو خاصة ببعضهم، فيكون الصلاح الذي هو ضد الفساد عبارة عن سلوك طريق الهدى والاستقامة، والعمل على نفع الخلق نفعا عاما أو خاصا، ويكون الصالح هو الذي قام بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد.
والمراد بكلمة التوفيق هنا ضد الخذلان، من " الوفق بين الشيئين "، بمعنى التحامهما، ولم ترد كلمة التوفيق بمعنى عدم الخذلان في آية أخرى من كتاب الله. ونعمة التوفيق بهذا المعنى من أجل النعم التي أنعم الله بها على الخواص من عباده، فمن رزق نعمة التوفيق فقد رزق خيرا كثيرا. قال حجة الإسلام الغزالي : " وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق، المراقب لدقائق الأحوال، وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور، وما أعز هذا القلب في القلوب ".

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير