تمهيد :
تقدمت دعوة شعيب لقومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، ثم نهاهم عن تطفيف الكيل والميزان، وهنا يذكر رد قومه عليه، فردوا على دعوته إلى التوحيد : بأنهم على دين آبائهم، وردوا على نهيه عن تطفيف الكيل : بأنهم حريصون على تثمير أموالهم وزيادتها بالطرق التي تعودوا عليها، لا بأهواء شعيب.
ثم أعاد شعيب النصح لهم ؛ بتذكيرهم بما أصاب الأمم السابقة من العذاب، وبدعوته لهم إلى التوبة والإنابة إلى الله ؛ فإنه واسع الرحمة والعطاء لمن أناب إليه.
المفردات :
أرئيتم : أخبروني.
بينة : حجة واضحة.
ورزقني منه رزقا حسنا : ومنحني من لدنه النبوة والحكمة، وغمرني بنعمه الكثيرة.
أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه : أن أخالفكم إلى فعل ما أنهاكم عنه.
وإليه أنيب : وإلى الله أرجع.
التفسير :
٨٨ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي...
أي : أخبروني : إن كنت على برهان يقيني مما أتاني ربي من العلم والنبوة، وكنت على حجة واضحة، وبصيرة مستنيرة ؛ منحنى إياها ربي.
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا . أي : مالا حلالا مكتسبا بلا بخس وتطفيف أو الرزق الحسن : الحكمة، والنبوة والاستقامة على التوحيد، والهداية إلى الصراط المستقيم.
وحذف جواب أرئيتم . لما دل عليه في مثله وتقديره : هل يصح لي أن أخون الوحي، وأترك النهى عن الشرك والظلم، والإصلاح بالتزكية و التحلية.
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .
أي : وما أريد أن آتى ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فلو كان صوابا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلا عن أن أنهى عنه. ٥٥
وقال قتادة : لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه.
وقال الثوري : أي : لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم. ٥٦
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ . أي : ما أريد في تبليغ الرسالة، ومحاربة المنكر : إلا إصلاح نفوسكم بالتزكية، والتهيئة لقبول الحكمة، ما دمت مستطيعا متمكنا منه.
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ . وما توفيقي لإصابة ذلك فيما أستطيعه منه إلا بحول الله، وقوته، وفضله، ومعونته، وأعلاها ما خصني الله به دونكم من نبوته ورسالته. ٥٧
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ . في أداء ما كلفني من تبليغكم ما أرسلت به، لا على حولي وقوتي.
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . أي : وإليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا، وإلى الجزاء على أعمالي في الآخرة، فأنا لا أرجو منكم أجرا، ولا أخاف منكم ضرا.
وجاء في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية ما يأتي :
روى الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب ؛ فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد. فأنا أبعدكم منه ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته