وجملة : قَالَ يَا قَوْم أَرَهْطِي أَعَزّ عَلَيْكُم منَ الله مستأنفة، وإنما قال : أعزّ عليكم من الله، ولم يقل : أعزّ عليكم مني ؛ لأن نفي العزّة عنه وإثباتها لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به، والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عزّ وجلّ، فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعزّ عليه من الله، فاستنكر ذلك عليهم، وتعجب منه، وألزمهم ما لا مخلص لهم عنه، ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام، وفي هذا من قوّة المحاجة ووضوح المجادلة وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى، ولأمر ما سمي شعيب خطيب الأنبياء، والضمير في واتخذتموه راجع إلى الله سبحانه. والمعنى : واتخذتم الله عزّ وجلّ بسبب عدم اعتدادكم بنبيه الذي أرسله إليكم وَرَاءكُمْ ظهْرِيّاً أي : منبوذاً وراء الظهر لا تبالون به. وقيل : المعنى : واتخذتم أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم، وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم، يقال : جعلت أمره بظهر : إذا قصرت فيه، و ظهْرِيّاً منسوب إلى الظهر، والكسر لتغيير النسب إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيط لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في قوله : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا قال : الحلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ قال : يقول لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ قال : إليه أرجع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن عليّ، قال : قلت : يا رسول، الله أوصني، قال :" قل الله ربي ثم استقم "، قلت : ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال :" ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً " وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي لا يحملنكم فراقي. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، قال : شقاقي عداوتي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : لا تحملنكم عداوتي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة، في قوله : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ قال : إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود.
وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، عن سعيد بن جبير وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حبّ الله عزّ وجلّ.
وأخرج الواحدي، وابن عساكر، عن شدّاد بن أوس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بكى شعيب عليه السلام من حبّ الله حتى عمي» وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والخطيب، وابن عساكر من طرق، عن ابن عباس، في قوله : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان ضرير البصر. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي صالح، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان في قوله : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، قال : معناه إنما أنت واحد. وأخرج أبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك قال عليّ : فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال في الآية : لا تخافونه. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : تهاونتم به.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني