شرح المفردات : والنفاثات : واحدهم نفاثة كعلامة، من النفث وهو النفخ من ريق يخرج من الفم، والعقد : واحدها عقدة.
( ٢ ) ومن شر النفاثات في العقد أي ومن شر النمّامين الذين يقطعون روابط المحبة، ويبددون شمل المودة، وقد شبّه عملهم بالنفث، وشبهت رابطة الوداد بالعقدة، والعرب تسمي الارتباط الوثيق بين شيئين عقدة، كما سمّى الارتباط بين الزوجين :( عقدة النكاح ).
فالنميمة تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بالوسائل الخفية التي تشبه أن تكون ضربا من السحر، ويصعب الاحتياط والتحفظ منها ؛ فالنمّام يأتي لك بكلام يشبه الصدق، فيصعب عليك تكذيبه، كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد أن يحل عقدة المحبة بين المرء وزوجه ؛ إذ يقول كلاما ويعقد عقدة وينفث فيها، ثم يحلها إيهاما للعامة أن هذا حل للعقدة التي بين الزوجين.
قال الأستاذ الإمام ما خلاصته : قد رووا هاهنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم، وأثر سحره فيه، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأخرجت مواد السحر من بئر، وعوفي صلى الله عليه وسلم مما كان نزل به من ذلك، ونزلت هذه السورة.
ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه الصلاة والسلام ماس بالعقل آخذ بالروح، فهو مما يصدق قول المشركين فيه : إن تتبعون إلا رجلا مسحورا [ الإسراء : ٤٧ ].
والذي يجب علينا اعتقاده أن القرآن المتواتر جاء بنفي السحر عنه عليه الصلاة والسلام، حيث نسب القول بإثبات حصوله له إلى المشركين، ووبخهم على ذلك.
والحديث على فرض صحته من أحاديث الآحاد التي لا يؤخذ بها في العقائد، وعصمة الأنبياء عقيدة لا يؤخذ فيها إلا باليقين، ونفي السحر عنه صلى الله عليه وسلم لا يستلزم نفي السحر مطلقا، فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون، ولكن من المحال أن يصيبه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله عصمه منه.
إلا أن هذه السورة مكية في قول عطاء والحسن وجابر، وما يزعمونه من السحر إنما وقع بالمدينة، فهذا مما يضعف الاحتجاج بالحديث، ويضعف التسليم بصحته.
وعلى الجملة فعلينا أن نأخذ بنص الكتاب، ونفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا اه.
تفسير المراغي
المراغي