ﭤﭥﭦﭧ ﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲ ﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾ

تفسير سورة الفلق
خمس آيات مدينة بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق الصبح لانه يفلق عنه الليل ويفرق فهو من باب الحذف والإيصال فعل بمعنى مفعول كالصمد والقبض بمعنى المصمود اليه والمقبوض كمامر فان كل واحد من المفلوق والمفلوق عنه مفعول وذلك انما يتحقق بأن يكون الشيء مستورا ومحجوبا بآخر ثم يشقق الحجاب الساتر عن وجه المستور ويزول فيظهر ذلك المستور وينكشف بسبب زواله وذلك الحجاب المشقق مفلوق والمحجوب المنكشف بزواله مفلوق عنه والصبح صار مفلوقا عنه بازالة ما عليه من ظلمة الليل يقال فى المثل هو أبين من فلق الصبح والفلق ايضا الخلق لان الممكنات بأسرها كانت أعيانا ثابتة فى علم الله مستورة تحت ظلمة العدم فالله تعالى فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد فاظهر ما فى علمه من المكونات فصارت مفلوقا عنها وفى تعليق العياذ باسم الرب المضاف الى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة باعادة العائد مما يعوذ منه وانجائه منه وتقوية لرجائه لتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له فى الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء اليه والاعاذة بربه قالوا إذا طلع الصبح تتبدل الثقلة بالخفة والغم بالسرور روى ان يوسف عليه السلام لما ألقى فى الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل بإذن الله تعالى يسأله ويأمره بان يدعو ربه فقال يا جبريل ادع أنت وأؤمن فدعا جبريل وأمن يوسف عليهما السلام فكشف الله تعالى ما كان به من الضر فلما طاب وقت يوسف قال با جبريل وانا ادعو ايضا وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه ان يكشف الضر عن جميع أهل البلاء فى ذلك الوقت فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة فى آخر الليل وعن بعض الصحابة رضى الله عنهم انه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم به من دنياهم فقال لا أبالى أليس من ورائهم الفلق فقيل وما الفلق قال بيت فى جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ اى من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وبالفارسية از بدى آنچهـ آفريد است از مؤذيات انس وجن وسباع وهوام.
فيشمل جميع الشرور والمضار بدنية كانت او غيرها من ضرب وقتل وشتم وعض ولدغ وسحر ونحوها واضافة الشر اليه لاختصاصه بعالم الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادة المستنبعة للكون والفساد واما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوآئب الشر بالكلية وقرأ بعض المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهى قراء مردودة مبنية على مذهب باطل الله خالق كل شىء وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس الحاجة الى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولان تعيين المستعاذ ادل على الاعتناء بالاستعاذة

صفحة رقم 541

وادعى الى الاعاذة اى ومن شر ليل مختلط ظلامه متستد وذلك بعد غيبوبة الشفق من قوله تعالى الى غسق الليل اى اجتماع ظلمته وفى القاموس الغسق محركة ظلمة أول الليل وغسق الليل غسقا ويحرك اشتدت ظلمته فالغاسق الليل المظلم كما فى المفردات واصل الغسق الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعا او هو السيلان وغسق العين سيلان دمعها واضافة الشر الى الليل لملابسته له بحدوثه فيه وتنكيره لعدم شمول الشر لجميع افراده ولا لكل اجزائه إِذا وَقَبَ الوقب النقرة فى الشيء كالنقرة فى الصخرة يجتمع فيها الماء ووقب إذا دخل فى وقب ومته وقبت الشمس إذا غابت ووقب الظلام دخل والمعنى إذا دخل ظلامه فى كل شىء وتقييده به لان حدوث الشر فيه اكثر والتحرز منه أصعب وأعسر ولذلك قيل الليل أخفى للويل وقيل اغدر الليل لانه إذا اظلم كثر فيه الغدر والغوث يقل فى الليل ولذا لو شهر انسان بالليل سلاحا فقتله المشهر عليه لا يلزمه قصاص ولو كان نهارا يلزمه لانه يوجد فيه الغوث والحاصل انه ينبعث اهل الحرب فى الليل وتخرج عفاريت الجن والهوام والمؤذيات ونهى رسول الله عليه السلام عن السير فى أول الليل وامر بتغطية الأواني وإغلاق الأبواب وإيكاء الاسقية وضم الصبيان وكل ذلك للحذر من الشر والبلاء وقيل الغاسق القمر إذا امتلأ ووقوبه دخوله فى الخسوف واسوداده لما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت أخذ رسول الله عليه السلام بيدي فاشار الى القمر فقال تعوذى بالله من شر هذا فانه الغاسق إذا وقب وشره الذي يتقى ما يكون فى الأبدان كآفات التي تحدث بسببه ويكون فى الأديان كالفتنة التي بها افتتن من عبده وعبد الشمس وقيل التعبير عن القمر بالغاسق لان جرمه مظلم وانما يستنير بضوء الشمس ووقوبه المحاق فى آخر الشهر والمنجمون يعدونه نحسا ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للتمريض الا فى ذلك قيل وهو المناسب لسبب النزول وقيل الغاسق الثريا ووقوبها سقوطها لانها إذا سقطت كثرت الأمراض والطواعين وإذا طلعت قلت الأمراض والآلام وقيل هو كل شر يعترى الإنسان ووقوبه هجومه ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه ولسبه وفى القاموس هو الذكر إذا وقام هو منقول عن ابن عباس رضى الله عنهما وجماعة وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ واز شر دمندگان. من النفث وهو شبه النفخ يكون فى الرقية ولا ريق معه فان كان معه ريق فهو التفل يقال منه نفث الراقي ينفث وينفث بالضم والكسر والنفاثات بالتشديد يراد منها تكرار الفعل والاحتراف به والنفاثات تكون للدفعة الواحدة من الفعل ولتكراره ايضا فِي الْعُقَدِ جمع عقدة وهى ما يعقده الساحر على وتر أو حبل او شعر وهو ينفث ويرقى وأصله من العزيمة ولذلك يقال لها عزيمة كما يقال لها عقدة ومنه قيل للساحر معقد والمعنى ومن شر النفوس او النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا فى خيوط وينفثن عليها وتعريفها اما للعهد او للايذان بشمول الشر لجميع افرادهن وتمحضهن فيه وتخصيصه بالذكر لما روى ابن عباس رضى الله عنهما وعائشة رضى الله عنها انه كان غلام من اليهود يخدم النبي عليه السلام وكان عنده أسنان من مشطه عليه السلام فاعطاها اليهود فسحروه عليه السلام فيها ولذا ينبغى ان يقطع الظفر بعد التقليم وكذا الشعر

صفحة رقم 542

إذا أسقط من اللحية والرأس نصفين او اكثر لئلا يسحر به أحد وتولاه لبيد بن اعصم اليهودي وبناته وهن النفاثات فى العقد فدفها فى بئر اريس وفى عين المعاني فى بئر لبنى زريق تسمى ذروان فمرض النبي عليه السلام روى انه لبث فيه ستة أشهر فنزل جبرائيل بالمعوذتين بكسر الواو كما فى القاموس وأخبره بموضع السحر وبمن سحره وبم سحره فارسل عليه السلام عليا والزبير وعمارا رضى الله عنهم فنزحوا ماء البئر فكأنه نقاعة الحناء ثم رفعوا راعونة البئر وهى الصخرة التي توضع فى أسفل البئر فأخرجوا من تحتها الأسنان ومعها وترقد عقد فيه احدى عشرة عقدة مغرزة بالابر فجاؤا بها النبي عليه السلام فجعل يقرأ المعوذتين عليها فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد
عليه السلام خفة حتى انحلت العقدة الاخيرة عند تمام السورتين فقام عليه السلام كأنما انشط من عقال وجعل جبرائيل يقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل شىء يؤذيك من عين وحاسد فلذا جوز الاسترقاء بما كان من كلام الله وكلام رسوله لا بما كان بالعبرية والسريانية والهندية فانه لا يحل اعتقاده فقالوا يا رسول الله أفلا نقتل الخبيث فقال عليه السلام اما انا فقد عافانى الله واكره ان اثير على الناس شرا قالت عائشة رضى الله عنها ما غضب النبي عليه السلام غضبا ينتقم لنفسه قط الا ان يكون شيأ هو الله فيغضب الله وينتقم وقيل المراد بالنفث فى العقد ابطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها فعلى هذا فالنفاثات هى جنس النساء اللاتي شأنهن ان يغلبن على الرجال ويحولنهم عن آرائهم بانواع المكر والحيلة فمعنى الآية ان النساء لاجل استقرار حبهن فى قلوب الرجال يتصرفن فيهم ويحولنهم من رأى الى رأى فامر الله تعالى له رسوله بالتعوذ من شرهن. اعلم ان السحر تخييل لا اصل له عند المعتزلة وعند الشافعي تمريض بما يتصل به كما يخرج من فم المتثائب ويؤثر فى المقابل وعندنا سرعة الحركة ولطافة الفعل فيما خفى فهمه وقيل طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس فى زئبق عصى سحرة فرعون والمعتزلة أنكروا صحة الرواية المذكورة وتأثير السحر فيه عليه السلام وقالوا كيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول والله يعصمك من الناس وقال ولا يفلح الساحر حيث اتى ولان تجويزه يفضى الى القدح فى النبوة ولان الكفار كانوا يعيرونه بانه مسحور فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين فى تلك الدعوى ولحصل فيه عليه السلام ذكر العيب ومعلوم ان ذلك غير جائز وقال اهل السنة صحة القصة لا تستلزم صدق الكفرة فى قولهم انه مسحور وذلك لانهم كانوا يريدون بكونه مسحورا انه مجنون ازيل عقله بسبب السحر فلذلك ترك دين آبائه فاما ان يكون مسحورا بالم يجده فى بدنه فذلك مما لا ينكره أحد وبالجملة فالله تعالى ما كان يسلط عليه لا شيطانا ولا إنسيا وجنيا يؤذيه فيما يتعلق بنبوته وعقله واما الإضرار به من حيث بشريته وبدنه فلا بعد فيه وتأثير السحر فيه عليه السلام لم يكن من حيث انه نبى وانما كان فى بدنه من حيث انه انسان وبشر فانه عليه السلام يعرض له من حيث بشريته ما يعرض لسائر البشر من الصحة والمرض والموت والاكل والشرب ودفع الفضلات وتأثير السحر فيه من حيث بشريته لا يقدح فى نبوته وانما يكون

صفحة رقم 543

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية