ﭴﭵﭶﭷﭸ

( ٥ ) النفاثات في العقد : النفث هو : النفخ، واصطلاحا هو تمتمة السحرة ونفثهم. والعقد جمع عقدة، والجملة كناية عن أعمال السحرة والساحرات، حيث كانوا يعقدون عقدا في خط وينفثون عليها وهم يتلون تعاويذهم وتمتماتهم حينما كانوا يريدون أن يصنعوا سحرا لأحد بسبيل منعه من عمل، أو حمله على عمل، أو جعله مريضا إلخ...
قل أعوذ١ برب الفلق٢ ( ١ ) من شر ما خلق( ٢ ) ومن شر غاسق٣ إذا وقب٤ ( ٣ ) ومن شر النفاثات في العقد٥ ( ٤ ) ومن شر حاسد إذا حسد( ٥ ) [ ١-٥ ].
في آيات السورة تعليم رباني بالاستعاذة بالله من شر ما خلق، ومن الظلام إذا انتشر وخيم، ومن السحرة ونفثاتهم، ومن الحاسدين.
والمتبادر أن ما علمته السورة يتصل بالمخاوف التي كان العرب يخافونها حين تنزيلها ممتدا إلى ما قبل ذلك.
فقد كانوا يخافون من الظلام، ويعتقدون أن الجن يظهرون ويتعرضون للناس فيه، حتى إنهم كانوا إذا نزلوا واديا بالليل هتفوا مستعيذين ومستجيرين بسكان الوادي من الجن، ليكونوا في جوارهم وحمايتهم، فتطمئن بذلك قلوبهم(١). وكان عندهم سحرة وساحرات يستعين الناس بهم على تحقيق رغباتهم وشهواتهم، وكان مما يفعله هؤلاء عقد العقد في الخيوط، والنفث فيها، وتلاوة التعاويذ عليها، وكان العرب يعتقدون بنفع ذلك وضرره(٢).
وكانوا يعتقدون بتأثير الحسد وعيون الحاسدين. فإذا كان لأحدهم ولد أو بستان أو دابة محببة فأصيب بعارض مفاجئ فسروه بعين أصابته، وحسود حسده(٣).
وعلى هذا فالمتبادر أن الهدف الذي استهدفته السورة هو تثبيت فكرة القدرة الإلهية وشمولها، وكون الله عز وجل وحده هو النافع والضار، ووجوب عدم الاستعاذة أو الاستعانة بغيره عندما ينبعث في نفوسهم خوف أو هاجس أو اضطراب، وتلقين كون الله هو القادر وحده على تسكين الروع، وإدخال الطمأنينة إلى القلب، ودفع الضرر، وتحقيق النفع، ووجوب الالتجاء إليه وحده، والاستعاذة به وحده. وهذا مما يتصل بمبدأ أساسي من مبادئ الدعوة وهو الإيمان بالله وحده، ونبذ ما سواه خضوعا وعبادة ودعاء ورجاء.
وننبه على أن السورة ليست بسبيل تقرير قدرة النفاثات في العقد على إيراث النفث والضرر، ولا تأثير الحاسد في المال والنفس والولد، ولا يدل مضمونها وأسلوبها على ذلك. وإنما هي كما قلنا بسبيل التعليم والتلقين والتطمين، ومعالجة ما هو مستقر في أذهان الناس من بواعث الخوف، ومعالجة روحية بالاعتماد على الله وحده، والالتجاء إليه وحده.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير