وَقَدْ نَبَتَتْ ثَنِيَّتِي. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا يَكُونُ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ قَدْرَ مَا يَتَحَرَّكُ ظِلَّ مِغْزَلٍ «١»، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ قَالَ:
مَا تَرَى مِنَ الدَّمِ فِي حَمْلِهَا، وَمَا تَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أشهر، وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة وَالضَّحَّاكُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ دُونَ التِّسْعَةِ، زَادَ عَلَى التِّسْعَةِ مِثْلَ أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ إراقة الدم حَتَّى يَخِسَّ الْوَلَدُ، وَما تَزْدادُ إِنْ لَمْ تُهْرِقِ الْمَرْأَةُ، تَمَّ الْوَلَدُ وَعَظُمَ «٢».
وَقَالَ مَكْحُولٌ: الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَطْلُبُ وَلَا يَحْزَنُ وَلَا يَغْتَمُّ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ دَمِ حَيْضَتِهَا، فَمِنْ ثَمَّ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ، استهل، واستهلاله استنكاره لِمَكَانِهِ، فَإِذَا قُطِعَتْ سُرَّتُهُ، حَوَّلَ اللَّهُ رِزْقَهُ إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب وَلَا يَغْتَمَّ، ثُمَّ يَصِيرُ طِفْلًا يَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِكَفِّهِ فَيَأْكُلُهُ، فَإِذَا هُوَ بَلَغَ قَالَ: هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ؟ فَيَقُولُ مَكْحُولٌ يَا وَيْلَكَ: غَذَّاكَ وَأَنْتَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ وَأَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَدْتَ وَعَقَلْتَ قُلْتَ: هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ، ثُمَّ قَرَأَ مَكْحُولٌ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى الآية.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أَيْ بِأَجْلٍ، حَفِظَ أَرْزَاقَ خَلْقِهِ وَآجَالَهُمْ، وَجَعَلَ لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ أَنَّ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، وَأَنَّهَا تُحِبُّ أَنْ يَحْضُرَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرُوهَا فَلْتَصْبِرْ وَلِتَحْتَسِبْ» «٣» الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ. وَقَوْلُهُ: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَيْ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يُشَاهِدُهُ الْعِبَادُ وَمِمَّا يَغِيبُ عَنْهُمْ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ الْكَبِيرُ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، الْمُتَعالِ أَيْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، فَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ وَدَانَ لَهُ الْعِبَادُ طَوْعًا وَكَرْهًا.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٠ الى ١١]
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وأنه سَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ أَسَرَّ قَوْلَهُ أَوْ جَهَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، كقوله: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طَهَ: ٧]، وَقَالَ: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ، قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سُبْحَانَ الَّذِي وَسِعَ سمعه
(٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في القدر باب ٤، ومسلم في الجنائز حديث ١١.
الْأَصْوَاتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَأَنَا فِي جَنْبِ الْبَيْتِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ كَلَامِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ «١» [الْمُجَادَلَةِ: ١].
وَقَوْلُهُ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أَيْ مُخْتَفٍ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أَيْ ظَاهِرٌ مَاشٍ فِي بَيَاضِ النَّهَارِ وَضِيَائِهِ، فَإِنَّ كِلَيْهِمَا فِي عِلْمِ الله على السواء، كقوله تعالى: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ [هود: ٥] الآية.
وقوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يُونُسَ: ٦١].
وَقَوْلُهُ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ لِلْعَبْدِ مَلَائِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، حَرَسٌ بِاللَّيْلِ وَحَرَسٌ بِالنَّهَارِ، يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْأَسْوَاءِ وَالْحَادِثَاتِ، كَمَا يَتَعَاقَبُ مَلَائِكَةٌ آخَرُونَ لِحِفْظِ الْأَعْمَالِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، فَاثْنَانِ عن اليمين والشمال يَكْتُبَانِ الْأَعْمَالَ، صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَصَاحِبُ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَمَلَكَانِ آخَرَانِ يَحْفَظَانِهِ وَيَحْرُسَانِهِ، واحد مِنْ وَرَائِهِ وَآخِرَ مَنْ قُدَّامِهِ، فَهُوَ بَيْنُ أربعة أملاك بالنهار، وأربعة أملاك بِاللَّيْلِ، بَدَلًا حَافِظَانِ وَكَاتِبَانِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيَصْعَدُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» «٢». وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقَكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» «٣».
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ والمعقبات من الله هي الْمَلَائِكَةُ «٤»، وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللَّهِ خَلَّوْا عَنْهُ «٥»، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا منها شيء يأتيه يريده، إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه
(٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٣، ٣٣، ومسلم في المساجد حديث ٢١٠، والنسائي في الصلاة باب ٢١، ومالك في السفر حديث ٨٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٧، ٣١٢، ٤٨٦.
(٣) أخرجه الترمذي في الأدب باب ٤٢.
(٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥١. [.....]
(٥) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥١.
فَيُصِيبُهُ «١».
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قَالَ: ذَلِكَ مَلِكٌ مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، لَهُ حَرَسٌ مَنْ دُونِهِ حَرَسٌ «٢»، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَعْنِي وَلِيَّ الشَّيْطَانِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَرَسُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي تَفْسِيرِهَا: هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ المواكب بين يديه ومن خلفه «٣»، وقال الضحاك في الآية: هو السلطان المحروس مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ «٤»، وَالظَّاهِرُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يُشْبِهُ حَرْسَ هَؤُلَاءِ لِمُلُوكِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «٥» هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا، فَقَالَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ كِنَانَةَ الْعَدَوِيِّ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَبْدِ كَمْ مَعَهُ مَنْ مَلَكٍ؟ فَقَالَ «مَلَكٌ عَلَى يَمِينِكَ على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِلَّذِي على اليمين أكتبها؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثا، قال: اكتبها أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ وَأَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا، يَقُولُ اللَّهُ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمَنْ خَلْفِكَ، يَقُولُ الله تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الآية وَمَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِكَ، فَإِذَا تَوَاضَعْتَ لِلَّهِ رَفَعَكَ، وَإِذَا تَجَبَّرْتَ عَلَى اللَّهِ قَصَمَكَ، وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْكَ لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْكَ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَلَكٌ قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فِي فِيكَ، وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْكَ، فَهَؤُلَاءِ عَشْرَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ، يَنْزِلُونَ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ عَلَى مَلَائِكَةِ النَّهَارِ، لِأَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ سِوَى مَلَائِكَةِ النَّهَارِ، فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلِّ آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل».
وقال الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٦» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وقد
(٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.
(٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.
(٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٢.
(٥) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٠.
(٦) المسند ١/ ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠.
وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وإياي، ولكن الله أعانني عَلَيْهِ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ».
وَقَوْلُهُ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قِيلَ: الْمُرَادُ حِفْظُهُمْ لَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢»، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ «يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ» «٣»، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَوْ تَجَلَّى لابن لآدم كل سهل وكل حزن، لَرَأَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيَاطِينَ، لَوْلَا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ إِذًا لَتُخُطِّفْتُمْ «٤». وقال أبو أمامة: ما من آدمي وَمَعَهُ مَلَكٌ يَذُودُ عَنْهُ حَتَّى يُسْلِمَهُ لِلَّذِي قُدِّرَ لَهُ «٥»، وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: احْتَرِسْ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ مُرَادٍ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ، فَقَالَ: إِنْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإِذَا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ «٦».
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا، هَلْ تَرُدُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ «هِيَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ» «٧».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَهْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ وَلَا أَهْلِ بَيْتٍ يَكُونُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حول الله عنهم ما يُحِبُّونَ إِلَى مَا يَكْرَهُونَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ تصديق ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ صِفَةُ الْعَرْشِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ الْأَشْعَثِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أبو حنيفة اليماني الأنصاري عن عمير بن عبد الملك قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَدَأَنِي، وَإِذَا سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَبَرِ أَنْبَأَنِي، وَإِنَّهُ حدثني عن ربه عز
(٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٣.
(٣) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤.
(٤) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤.
(٥) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٥.
(٦) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٤، ٣٥٥.
(٧) أخرجه الترمذي في الطب باب ٢١، والقدر باب ١٢، وابن ماجة في الطب باب ١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٢١. [.....]
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
محمد حسين شمس الدين