ثم وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، فقال : الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله أي : بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالإيمان ونحوها، وهذا تعميم بعد التخصيص، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد بالميثاق : ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذرّ المذكور في قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءادَمَ [ الأعراف : ١٧١ ].
وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أبو الشيخ عن الضحاك وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة قال : يدفعون بالحسنة السيئة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله : جنات عَدْنٍ قال : بطنان الجنة، يعني : وسطها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن عمر قال لكعب : ما عدن ؟ قال : هو قصر في الجنة لا يدخله إلاّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل. وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له : كن فكان ) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ قال : من آمن في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله : سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ قال : على دينكم فَنِعْمَ عقبى الدار قال : نعم ما أعقبكم الله من الدنيا في الجنة. وأخرج أحمد، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، وصححه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أوّل من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته، في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة : ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟ قال الله : إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً، وتسدّ بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ) وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة :( إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكة إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوّب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه : ملك يستأذن، ويقول الذي يليه : ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول : ائذنوا له، فيقول أقربهم إلى المؤمن : ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه : ائذنوا له حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل ويسلم عليه، ثم ينصرف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وَلَهُمْ سُوء الدار قال : سوء العاقبة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني