ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ

[سورة الرعد (١٣) : آية ١٨]

لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا اللام متعلقة بيضرب، أى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أى: هما مثلا الفريقين. والْحُسْنى صفة لمصدر استجابوا، أى: استجابوا الاستجابة الحسنى. وقوله لَوْ أَنَّ لَهُمْ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين. وقيل: قد تم الكلام عند قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ وما بعده كلام مستأنف. والحسنى: مبتدأ، خبره لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا مبتدأ خبره. «لو» مع ما في حيزه وسُوءُ الْحِسابِ المناقشة فيه. وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء
[سورة الرعد (١٣) : آية ١٩]
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)
دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله أَفَمَنْ يَعْلَمُ لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب: كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أى الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)

صفحة رقم 524

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ مبتدأ. وأُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ خبره كقوله: والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة. ويجوز أن يكون صفة لأولى الألباب، والأوّل أوجه.
وعهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه: من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة والدجاجة. وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أى يخشون وعيده كله وَيَخافُونَ خصوصاً سُوءَ الْحِسابِ فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا صَبَرُوا مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ابْتِغاءَ وَجْهِ الله، لا ليقال: ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله:
وَتَجَلُّدِى لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ «١»
ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت، كقوله:
مَا إنْ جَزِعْتُ وَلَا هَلَعْ... تُ وَلَا يَرُدُّ بُكَاىَ زَنْدَا «٢»

(١).
وإذا المنية أنشبت أظفارها... ألفيت كل تميمة لا تنفع
وتجلدي للشامتين أريهم... أنى لريب الدهر لا أتضعضع
لأبى ذؤيب خويلد بن خالد المخزومي، يرثى بنيه. روى أن معاوية مرض، فعاده الحسن بن على رضى الله عنهما فقال: كحلونى وألبسونى عمامتي، وأظهر القوة وأنشد له البيت الثاني، فأجابه الحسن بغتة بالأول. وشبه المنية بالسبع على طريق المكنية. وإنشاب الأظفار: تخييل. ومنى له: قدر له. والمنية: الموت لأنه مقدر.
والانشاب: الغرز والتعليق. ألفيت: أى وجدت كل تميمة لا تنفع، وهي ما يعلق على الولدان خوف الجن والحسد. وتجلدي: أى تصبرى وتصلبي. مبتدأ. وأريهم: خبره، أى أظهر لهم به أنى لا أتضعضع وأتخشع وأضعف لأجل ريب الدهر، أى حدثانه الطارئ من حيث لا أشعر. [.....]
(٢).
ليس الجمال بمئزر... فاعلم وإن رديت برداً
إن الجمال معادن... ومناقب أورثن مجداً
أعددن للحدثان سا... بقة وعداء علندى
نهداً وذا شطب يقد... البيض والأبدان قدا
كم من أخ لي صالح... بوأته بيدي لحدا
ما إن هلعت ولا جز... عت ولا يرد بكاى زندا
لعمرو بن معد يكرب. يقول: ليس الجمال بفاخر الثياب. وفاعلم: اعتراض. والخطاب لغير معين، أى ليس كذلك وإن ألبستها والبرد، ثوب سابغ يرتدى به إن الجمال خصال حميدة أكسبت أصحابها الشرف. والحدثان: مكروه الدهر المنقلب. والسابغة الدرع، وكانت له درع من ذهب. والعداء: الفرس الكثير العدو. والعلندى- بالفتح-: الغليظ الشديد السريع. وشيء علند: صلب- واعلندى البعير: اشتد. والنهد: الضخم الطويل. والشطب- بالضم-:
طرائق السيف. والأبدان: الدروع القصيرة، وإذا قطع البيضة والبدن مع أنهما من الحديد، قطع غيرهما بالأولى:
مدح نفسه بالشجاعة، ثم بالصبر فقال: كثير من إخوانى أنزلتهم اللحود بيدي، ومع ذلك ما جزعت لا قليلا ولا كثيراً فان زائدة. والهلع: شدة الجزع. وفي الحديث «من شر ما أوتى العبد: شح هالع، وجبن خالع» أى يهلع فيه وكأنه يخلع فؤاده. وتزند فلان. ضاق بالجواب وغضب. والمزند: مثل في الشيء. ويقال للحقير: زندان في مرقعة، فالزند: الشيء الحقير. ويروى: زيدا: بالياء، على أنه زيد بن الخطاب أخو عمر رضى الله عنه، كان صديقا له في الجاهلية. ويروى: وهل يرد بكائي؟ أى: لم أجزع، لعلمي أنه لا ينفع.

صفحة رقم 525

وكل عمل له وجوه يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسناً عند الله، وإلا لم يستحق به ثواباً، وكان فعل كلا فعل مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحلال، لأنّ الحرام لا يكون رزقا «١» ولا يسند إلى الله «٢» سِرًّا وَعَلانِيَةً يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل- والفرائض، لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ويدفعونها. عن ابن عباس:
يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم. وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره عُقْبَى الدَّارِ عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها «٣». وجَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عقبى الدار. وقرئ: فنعم، بفتح النون.

(١). قوله «لأن الحرام لا يكون رزقا» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فيكون رزقا كالحلال. (ع)
(٢). قال محمود: «المراد مما رزقناهم من الحلال، لأن الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله تعالى» قال أحمد:
الحق أن لا رازق إلا الله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ كما أنه لا خالق إلا الله هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ فإذا اقتضى العقل والسمع جميعاً أن لا رازق إلا الله فأى مقال بعد ذلك يبقى للقدرى الزاعم أن أكثر العبيد يرزقون أنفسهم لأن الغالب الحرام وهو مع ذلك مصمم على معتقده الفاسد لا يدعه ولا تكفه القوارع السمعية والعقلية ولا تردعه فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون.
(٣). قال محمود: «المراد عاقبة الدنيا ومرجع أهلها... الخ» قال أحمد: قد تكرر مجيء العاقبة المطلقة مثل وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ، مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ. وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ والمراد في جميع ذلك: عقبى الخير والسعادة، والزمخشري يستنبط من تكرار مجيء العاقبة المطلقة والمراد عاقبة الخير أنها هي التي أرادها الله فهي الأصل والعاقبة الأخرى لما لم تكن مرادة بل عارضة على خلاف المراد والأصل لم يكن من حقها أن يعبر عنها إلا بتقييد يفهمها كقوله وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ كل ذلك من الزمخشري تهالك على أن ينسب إلى الله إرادة ما لم يقع ومشيئة ما لم يكن مصادمة لما أنطق الله به ألسنة حملة الشريعة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وليس في مجيء ذلك على الإطلاق ما يعين أنه الأصل باعتبار الارادة، ففعله الأصل باعتبار الأمر، ونحن نقول: إن المؤدى إلى حمد العاقبة مأمور به، والمؤدى إلى سوئها منهى عنه، فمن ثم كانت عاقبة الخير هي الأصل، والله الموفق.

صفحة رقم 526

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية