وَالَّذِينَ صَبَرُوا على ما تكرهه النفوس من انواع المصائب ومخالفة الهوى من مشاق التكاليف ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ طلبا لرضاه من غير ان ينظروا الى جانب الخلق رياء وسمعة ولا الى جانب النفس زينة وعجبا واعلم ان مواد الصبر كثيرة منها. الصبر على العمى وفى الحديث القدسي (إذا ابتليت عبدى بحبيبتيه) اى العينين وسميتا بذلك لانهما أحب الأشياء الى الشخص (فصبر على البلاء راضيا بقضاء الله تعالى عوضته منهما الجنة) والأعمى أول من يرى الله تعالى يوم القيامة. ومنها الصبر على الحمى وصداع الرأس وموت الأولاد والأحباب وغير ذلك من انواع الابتلاء. ومنها الصوم فان فيه صبرا على ما تكرهه النفس من حيث انها مألوفة بالأكل والشرب والصوم ربع الايمان بمقتضى قوله عليه السلام (الصوم نصف الصبر والصبر نصف الايمان) : قال الحافظ
ترسم كزين چمن نبرى آستين گل
كز گلشنش تحمل خارى نميكنى
- روى- ان شقيق بن ابراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متنكرا فقال له عبد الله من اين أتيت فقال من بلخ قال وهل تعرف شقيقا قال نعم قال كيف طريقة أصحابه فقال إذا منعوا صبروا وإذا اعطوا شكروا فقال عبد الله طريقة كلا بنا هكذا فقال وكيف ينبغى ان يكون الأمر فقال الكاملون هم الذين إذا منعوا شكروا وان اعطوا آثروا قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى بعض مناجاته اللهم انى أحمدك فى السراء والضراء وأقول فى السراء الحمد لله المنعم المفضل نظرا الى النعمة الظاهرة والمنحة الجلية فى السراء وأقول فى الضراء، الحمد لله على كل حال نظرا الى النعمة الباطنة والمنحة الخفية فى الضراء لكن أشكرك فى السراء وأقول الشكر لله طمعا فى زيادة النعمة والمنحة بمقتضى وعدك فى قولك لئن شكرتم لازيدنكم فاذا دفعت عنى البلية ورفعت المحنة فاشكرك مطلقا كما أحمدك كذلك وأقول الشكر لله مطلقا كما أقول الحمد لله كذلك انتهى وهذا كلام لم ار مثله من المتقدمين حقيق بالقبول والحفظ فرضى الله عن قائله وَأَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة اى داوموا على إقامتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ اى بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه فمن للتبعيض والمراد بالبعض المتصدق به الزكاة المفروضة لاقترانه بالصلاة التي هى اخت الزكاة وشقيقتها او مطلق ما ينفق فى سبيل الله نظرا الى اطلاق اللفظ من غير قرينة الخصوص سِرًّا لمن لا يعرف بالمال يتناول النوافل لانها فى السر أفضل وَعَلانِيَةً لمن عرف به يشمل الفرائض لوجوب المجاهرة بها نفيا للتهمة وانتصابهما على الحال اى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين او على الظرف اى وقتى سر وعلانية او على المصدر اى انفاق سر وعلانية. والمعنى اسرار النوافل من الصدقات والإعلان بالفرائض ومن الانفاق الواجب الانفاق على الأبوين إذا كانا فقيرين قال الفقهاء تقدم الام على الأب فى النفقة إذا لم يكن عند الولد الا كفاية أحدهما لكثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق فى حمله ثم وضعه ثم ارضاعه ثم تربيته وخدمته ومعالجة او ساخه وتمريضه وغير ذلك كما فى الفتح القريب قال الشيخ عز الدين الواجب قسمان واجب بالشرع
صفحة رقم 365
وواجب بالمروءة والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فان منع واجبا منهما فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع ابخل كالذى يمنع أداء الزكاة والنفقة الواجبة او يؤديها بمشقة فانه بخيل بالطبع متسخ بالتكلف او كان بحيث لا يطيب له ان يعطى من أطيب ماله او من أوسطه فهذا كله بخل واما واجب المروءة المضايقة والاستقصاء فى المحقرات فان ذلك مستقبح واستقباحه يختلف بالأحوال والاشخاص فمن كثر ماله يستقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ما لا يستقبح اقل منه فى المبايعة والمعاملة فيختلف ذلك بما فيه المضايقة من ضيافة او معاملة وبما به المضايقة من طعام او ثوب فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغى ان لا يمنع اما بحكم الشرع واما بحكم المروءة وجاء فى وصف البخيل
لو عبر البحر بامواجه... فى ليلة مظلمة باردة
وكفه مملوءة خرد لا... ما سقطت من كفه واحده
وفيه
خواجه در ماهتاب نان ميخورد... در سرايى كه هيچ خلقى نبود
سايه خويش را كسى پنداشت... كاسه از پيش خويشتن بربود
واعلم ان الله تعالى أسند الانفاق إليهم وإعطاء الرزق الى ذاته تعالى تنبيها على انهم أمناء الله فيما أعطاهم ووكلاؤه والوكيل دخيل فى التصرف لا اصيل فينبغى له ان يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق وقد قالوا من طمع فى شكر أو ثناء فهو بياع لا جواد فانه اشترى المدح بماله والمدح لذيذ مقصود فى نفسه والجود هو بذل الشيء من غير غرض
كرم ولطف بى غرض بايد... تا از ان مرد متهم نبود
از كرم چون جزا طمع دارى... آن تجارت بود كرم نبود
ومن الكرم ضيافة الاخوان فى شهر رمضان وفى الحديث (يا أصحابي لا تنسوا امواتكم فى قبورهم خاصة فى شهر رمضان فان أرواحهم يأتون بيوتهم فينادى كل أحد منهم الف مرة من الرجال والنساء اعطفوا علينا بدرهم او برغيف او بكسرة خبز او بدعوة او بقراءة آية او بكسوة كساكم الله من لباس الجنة) كذا فى ربيع الأبرار فاذا كان الرغيف او الكسرة مفيدا مقبولا عند الله تعالى فما ظنك بما فوقه من اللذائذ وفى الحديث (من لقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة) وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ويدفعونها بها فيجاوزون الاساءة بالإحسان والظلم بالعفو والقطع بالوصل والحرمان بالعطاء
كم مباش از درخت سايه فكن... هر كه سنگش زند ثمر بخشش
از صدف ياد گير نكته حلم... هر كه زد بر سرش گهر بخشش
او المعنى يتبعون الحسنة السيئة فتمحوها واحسن الحسنات كلمة لا اله الا الله إذا التوحيد رأس الدين فلا أفضل منه كما ان الرأس أفضل الجوارح وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا فيكون المراد بالحسنة التوبة وبالسيئة المعصية قال عبد الله بن المبارك هذه ثمان خصال مسيرة الى ثمانية أبواب الجنة أُولئِكَ [آن گروه كه بدين صفات موصوفند] لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ عاقبة الدنيا ومرجع
صفحة رقم 366
وان كانت ضعيفة فالقول بها واجب ولازم فرارا من الفتنة فيجب على القضاة والمفتين والوعاظ معرفة احوال الناس وعاداتهم فى القبول والرد والسعى والكسل ونحوها فيكلمونهم بالأصلح والأوفق لهم حتى لا يكون كلامهم فتنة للناس وكذا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فانه يجب على الآمر والناهي معرفة احوال الناس وعاداتهم وطبائعهم ومذاهبهم لئلا يكون فتنة للناس وتهييجا للشر وسببا لزيادة المنكر واشاعة المكروه أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ فى الآخرة والجملة خبر والذين ينقضون. واللعنة الابعاد من الرحمة والطرد من باب القرب وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ اى سوء عاقبة الدنيا وهى جهنم فاللعنة وسوء العاقبة لاصقان بهم لا يعدوانهم الى غيرهم وفيه تنفير للمسلمين عن هذه الخصال الثلاث وان لا ترفع همتهم حول ذلك الحمى وفى الحديث (ما نقض قوم العهد الا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة الا سلط الله عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة الا حبس عنهم القطر) وفى الحديث (من اخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا) اى فريضة ونافلة كما فى الاسرار المحمدية
وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى
وگر نه هر كه تو بينى ستمگرى داند
واعلم ان اللعنة لعنتان طرد عن الجنة وهو للكافرين وطرد عن ساحة القربة والوصلة وهو للمؤمنين الناقصين فمن قصر فى العبودية وسعى فى إفساد الأرض الاستعداد وقع فى دار القطيعة والهجران وان كان صورة فى الجنان ورب كامل فى الصورة ناقص فى المعنى وبالعكس: قال المولى الجامى
چهـ غم ز منقصت صورت أهل معنى را
چوجان ز روم بود كوتن از حبش مى باش
ألا ترى ان ابراهيم عليه السلام إذ القى فى النار كانت بردا وسلاما فلم يضره كونه فى صورة النار والنمرود كان فى صوة النعمة فلم ينفعه ذلك بل وجد فى النعمة نقمة نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الجنة والقربة والوصلة اللَّهُ وحده يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه فى الدنيا لِمَنْ يَشاءُ بسطه وتوسيعه وَيَقْدِرُ قال فى تهذيب المصادر. القدر [تنك كردن] وهو من باب ضرب اى يضيق الرزق لمن يشاء ويعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شىء كأنه قيل لو كان من نقض عهد الله ملعونين فى الدنيا ومعذبين فى الآخرة لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات فى الدنيا فقيل ان فتح باب الرزق فى الدنيا لا تعلق له بالكفر والايمان بل هو متعلق بمجرد مشيئة الله فقد يضيق على المؤمن امتحانا لصبره وتكفيرا لذنوبه ورفعا لدرجاته ومن هذا القبيل موقع لاكثر الاصحاب رضى الله عنهم من المضايقة ويوسع على الكافرين استدراجا ومنه ما وقع لاكثر كفار قريش من الوسعة ثم ان الله تعالى جعل الغنى لبعضهم صلاحا وجعل الفقر لبعضهم صلاحا وقد جعل فى غنى بعضهم فسادا كالفقر وفى الكل حكمة ومصلحة: قال الحافظ
ازين رباط دو در چون ضرورتست رحيل
رواق طاق معيشت چهـ سر بلند و چهـ پست
بهست ونيست مرنجان ضمير وخوش دل باش
كه نيستيست سرانجام هر كمال كه هست
ببال و پر مرو از ره كه تير پر تابى
هوا گرفت زمانى ولى بخاك نشست
وَفَرِحُوا يعنى مشركى مكة. والفرح لذة فى القلب لنيل المشتهى بِالْحَياةِ الدُّنْيا بما بسط
صفحة رقم 370
لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح شكر وسرور بفصل الله وانعامه عليهم وفيه دليل على ان الفرح بالدنيا حرام
افتخار از رنگ وبو واز مكان
هست شادى وفريب كودكان
قال فى شرح الحكم عند قوله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا انما لم يؤمر العبد برفض الفرح جملة لان ذلك من ضرورات البشر التي لا يمكن رفعها بل ينبعى صرفها للوجه اللائق بها وكذا جميع الأخلاق كالطمع والبخل والحرص والشهوة والغضب لا يمكن تبدلها بل يصح ان تصرف الى وجه لائق بها حتى لا تتصرف الا فيه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ ليست ظرفا للحياة ولا للدنيا لانهما لا يقعان فيها بل هى حال والتقدير وما الحياة القريبة كائنة فى جنب حياة الآخرة اى بالقياس إليها ففى للمقايسة وهى الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لا حق إِلَّا مَتاعٌ الا شىء قليل يتمتع به كزاد الراعي وعجالة الراكب وهى ما يتعجل به من تميرات او شربة سويق او نحو ذلك قال الصاحب بن عباد سمعت امرأة فى بعض القبائل تسأل أين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم اى الكلب وأخذ المتاع وهو ما يبل بالماء فيمسح به القصاع وفيه تقبيح لحال الدنيا قال الكاشفى [با متاعى از أمتعة كه وفايى وبقائي ندارد چون أدوات خانه] مثل القصعة والقدح والقدر ينتفع بها ثم تذهب والعاقل لا يفرح بما يفارقه عن قريب ويورثه حزنا طويلا وان حدثته نفسه بالفرح به يكذبها
ومن سره ان لا يرى ما يسوءه
فلا يتخذ شيأ يخاف له فقدا
- حكى- انه حمل الى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجوهر لم يرله نظير وفرح به الملك فرحا شديدا فقال لمن عنده من الحكماء كيف ترى هذا قال أراه فقرا حاضرا ومصيبة عاجلة قال وكيف ذلك قال ان انكسر كان مصيبة لا جبر لها وان سرق صرت فقيرا اليه وقد كنت قبل ان يحمل إليك فى أمن من المصيبة والفقر فاتفق انه انكسر القدح يوما فعظمت المصيبة على الملك وقال صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا قال فى الحكم العطائية ان أردت ان لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك وكل ولايات الدنيا كذلك وان لم تعزل عنها بالحياة عزلت عنها بالممات قال وقد جعل الله الدنيا محلا للاغيار ومعدنا لوجود الاكدار تزهيدا لك فيها حتى لا يمكنك استناد إليها ولا تعريج عليها وقد قيل ان الله تعالى اوحى الى الدنيا (تضيقى وتشددى على أوليائي وترفهى وتوسعى على أعدائي تضيقى على أوليائي حتى لا يشتغلوا بك عنى وتوسعى على أعدائي حتى يشتغلوا بك عنى فلا يتفرغوا لذكرى وفى التأويلات النجمية اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ الكشوف والشهود لِمَنْ يَشاءُ من عباده المحبين المحبوبين ويضيق لمن فتح عليهم أبواب الدنيا وشهواتها فاغرقهم فيها وَفَرِحُوا بها بِالْحَياةِ الدُّنْيا اى باستيفاء لذاتها وشهواتها وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا بالنسبة الى من عبر عنها ولم يلتفت إليها فيجد فى آخرتها ما يجد الا تمتع ايام قلائل بأدنى شىء خسيس فان: قال الكمال الخجندي