الذين امَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَئَابٍ الموصول مبتدأ خبره الجملة الدعائية، وهي طوبى لهم على التأويل المشهور، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على المدح، وطوبى لهم خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الموصول بدلاً من القلوب على حذف مضاف أي : قلوب الذين آمنوا. قال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة : طوبى فعلى من الطيب. قال ابن الأنباري : وتأويلها الحال المستطابة، وقيل : طوبى شجرة في الجنة، وقيل : هي الجنة، وقيل : هي البستان بلغة الهند، وقيل : معنى طوبى لهم : حسنى لهم، وقيل : خير لهم، وقيل : كرامة لهم، وقيل : غبطة لهم، قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة، والأصل طيبى فصارت الياء واواً لسكونها وضم ما قبلها، واللام في " لهم " للبيان مثل سقياً لك ورعياً لك، وقرئ ( حسن مآب ) بالنصب والرفع، من آب إذا رجع أي : وحسن مرجع، وهو الدار الآخرة.
وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدّمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال :( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله في الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى ) الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أن رجلاً قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال :( طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني )، فقال رجل : وما طوبى ؟ قال :( شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم وَظِلّ مَّمْدُودٍ ) [ الواقعة : ٣٠ ] وفي بعض الألفاظ ( إنها شجرة الخلد ) وأخرج أبو الشيخ عن السديّ وَحُسْنُ مَآبٍ قال : حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب :( بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم، فقال :( لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وَإِلَيْهِ مَتَابِ قال : توبتي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني