ﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛ

ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك : لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا أي بأيدي المؤمنين قتلاً وأسراً، وَلَعَذَابُ الآخرة أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا أَشَقُّ أي من هذا بكثير كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين :« إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة »، وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه : فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبداً في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفاً، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [ الفجر : ٢-٣ ]، وقال تعالى : بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ الفرقان : ١١-١٢ ] ولهذا قرن هذا بقوله : مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون أي صفتها ونعتها تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار أي سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيراً، أي يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كقوله : مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : ١٥ ] الآية، وقوله : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع ولا فناء. وفي « الصحيحين » من حيث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا :« يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت، فقال :» إني رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا « وقال الحافظ أبو يعلى، عن جابر قال : بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئاً ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب : يا رسول الله نصعت اليوم في الصلاة شيئاً ما رأيناك كنت تصنعه، فقال :» إني عرضت عليّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفاً من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه «.
وروى الإمام أحمد والنسائي عن زيد بن أرقم قال : جاء رجل من أهل الكتاب فقال :»
يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال :« نعم، والذي نفس محمد بيده إن الرجل منهم ليعطي قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة »، قال :« إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة الأذى، قال :» تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه «، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله ﷺ :

صفحة رقم 1288

« إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديك مشوياً » وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائراً كما كان بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى : وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ [ الواقعة : ٣٢-٣٣ ]، وقال : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً [ الإنسان : ١٤ ]، وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى : لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً [ النساء : ٥٧ ]. وقد تقدم في « الصحيحين » من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال :« إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها » ثم قرأ : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [ الواقعة : ٣٠ ] وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده : تِلْكَ عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار ، كما قال تعالى : لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون [ الحشر : ٢٠ ].

صفحة رقم 1289

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية