ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ ﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛ

فالمؤمنون إذا ذكروا عقاب الله ولم يأمنوا من وقوعهم فى المعاصي وجلت قلوبهم كما قال: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت نفوسهم واطمأنت إلى ذلك الوعد وزال منها القلق والوحشة.
وفى الآية إيماء إلى أن الكفار أفئدتهم هواء، إذ لم تسكن نفوسهم إلى ذكره، بل سكنت إلى الدنيا وركنت إلى لذاتها.
ثم بين سبحانه جزاء المطمئنين وثوابهم فقال:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) أي إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الفرح وقرّة العين عند ربهم، وحسن المآب والمرجع.
وفى هذا من الترغيب فى طاعته، والتحذير من معصيته، ومن شديد عقابه، ما لا خفاء فيه.
وخلاصة ذلك- أن أهل الجنة منعمون بكل ما يشتهون كما جاء فى الحديث:
«فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».
محمد صلى الله عليه وسلّم ليس بدعا من الرسل
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٠ الى ٣٤]
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)

صفحة رقم 101

تفسير المفردات
خلت: مضت، متاب: مرجعى، قطعت: شققت، ييأس: يعلم وهو لغة هوازن قارعة رزية تقرع القلوب، أمليت: أي أمهلت مدة طويلة فى أمن ودعة، قائم:
رقيب ومتولّ للأمور، تنبئونه: تخبرونه، بظاهر من القول: أي بباطل منه لا حقيقة له فى الواقع. والسبيل: هو سبيل الحق وطريقه، والواقي: الحافظ.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه طلبهم من رسوله صلى الله عليه وسلّم الآيات كما أنزل على الرسل السالفين كموسى وعيسى وغيرهم من النبيين والمرسلين، وبين أن الهدى هدى الله، فلو أوتوا من الآيات ما أوتوا ولم يرد الله هدايتهم فلا يجديهم ذلك فتيلا ولا قطميرا ذكر هنا أن محمدا ليس ببدع من الرسل وأن قومه سبقهم أقوام كثيرون، وطلبوا الآيات من أنبيائهم، وأجابوهم إلى ما طلبوا، ولم تغنهم الآيات والنذر، فكانت عاقبتهم البوار والنكال، فأنزل على كل قوم من العذاب ما أتى عليهم جميعا، وأصبحوا معه كأمس الدابر ولو أن كتابا تسيّر به الجبال عن أماكنها، أو تشقّق به الأرض فتجعل أنهارا وعيونا، لكان هذا القرآن الذي أنزلناه عليه، ثم أبان أن الله تعالى قادر على الإتيان بما اقترحوه، لكنه لم يرد ذلك، لأنه لا ينتج المقصود من إيمانهم.

صفحة رقم 102

ثم أتبع ذلك بالتيئيس منه وبالتهديد بقارعة تحل بهم، وبتسلية النبي ﷺ على استهزائهم به.
أخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا كما تزعم فباعد جبلى مكة أخشبيها (اسمى الجبلين) هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبى، أو احملنا إلى الشام أو اليمين أو إلى الحيرة حتى نذهب ونجىء فى ليلة كما زعمت أنك فعلته فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سيّر بالقرآن الجبال، قطّع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا، فنزلت.
الإيضاح
(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) أي كما أرسلنا إلى الأمم الماضية رسلا فكذبوهم، كذلك أرسلناك فى هذه الأمة، لتبليغهم رسالة الله إليهم، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم.
وخلاصة ذلك- إننا كما أرسلنا إلى أمم من قبلك وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم، أرسلناك وأعطيناك هذا الكتاب لتتلوه عليهم، فلماذا يقترحون غيره؟.
(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ) أي وحالهم أنهم كفروا بمن أحاطت بهم نعمه، ووسعت كلّ شىء رحمته، ولم يشكروا نعمه وفضله عليهم، ولا سيما إحسانه إليهم بإرسالك وإنزال القرآن عليك. ، وهو الكفيل بمصالح الدنيا والآخرة كما قال تعالى:
«وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ».
وكفرهم به أنهم جحدوه بتاتا أو أثبتوا له الشركاء.

صفحة رقم 103

(قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي قل لهم: إن الرحمن الذي كفرتم به هو خالقى ومتولّى أمرى ومبلغى مراتب الكمال. لا رب غيره ولا معبود سواه، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وعن قتادة قال: «ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب فى الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم، قال لا، اكتبوا كما يريدون» اه.
(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي عليه لا على غيره توكلت فى جميع أمورى، ولا سيما فى نصرتى عليكم.
(وَإِلَيْهِ مَتابِ) أي وإليه وحده توبتى، وهو بمعنى قوله: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» وفى هذا بيان لفضل التوبة ومقدار عظمها عند الله، وبعث للكفار على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطف سبيل، إذ أمر بها عليه السلام وهو منزّه عن اقتراف الذنوب، فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي أحق وأجدر.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) أي ولو ثبت أن كتابا سيّرت بتلاوته الجبال وزعزعت من أماكنها كما فعل بالطور لموسى عليه السلام.
(أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) أي شققت وجعلت أنهارا وعيونا كما حدث للحجر حين ضربه موسى بعصاة.
(أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) أي أو كلم أحد به الموتى فى قبورهم بأن أحياهم بقراءته فتكلم معهم بعد كما وقع لعيسى عليه السلام- لو ثبت هذا الشيء من الكتب لثبت لهذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لما انطوى عليه من الآيات الكونية الدالة على بديع صنع الله فى الأنفس والآفاق، واشتمل عليه من الحكم والأحكام التي فيها صلاح البشر وسعادتهم فى الدار الفانية والدار الباقية، ومن قوانين العمران التي تكون خيرا لمتبعيها وفوزا لسالكيها، ويجعل منهم خير أمة أخرجت

صفحة رقم 104

للناس، وهذا بمعنى قوله: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ».
خلاصة ذلك- لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه مما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، لكان مظهر ذلك هو القرآن الذي لم يعدّوه آية واقترحوا غيره.
ولا يخفى ما فى هذا من تعظيم شأنه الكريم، ووصفهم بسخف العقل، وسوء التدبير والرأى، وبيان أن تلك المقترحات لا ينبغى أن يؤبه لها، ولا يلتفت إليها، لأنها صادرة عن التشهّى والهوى، والتمادي فى الضلال والمكابرة والعناد، لا عن تقدير للأمور على وجهها الصحيح، وتأمل فى حقائقها، وما يجب أن يكون لها من الاعتبار.
ويجوز أن يكون المعنى- لو أن كتابا فعلت بوساطته هذه الأفاعيل العجيبة لما آمنوا به، لفرط عنادهم وغلوهم فى مكابرتهم، وهذا بمعنى قوله: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ».
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) أي بل مرجع الأمور كلها بيد الله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل فلا هادى له، ومن يهد فما له من مضل.
وخلاصة ذلك- إن الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك، لعلمه أن قلوبهم لا تلين، ولا يجدى هذا فائدة فى إيمانهم.
(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) أي ألم يعلم الذين آمنوا أن الله تعالى لو شاء هداية الناس أجمعين لهداهم، فإنه ليس ثمة حجة ولا معجزة أنجع فى العقول من هذا القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، لكنه لم يشأ ذلك.
روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من نبى إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلىّ فأرجو أن أكون

صفحة رقم 105

أكثرهم تابعا يوم القيامة»
يريد أن كل نبى انقرضت معجزته بموته، وهذا القرآن حجة باقية على وجه الدهر، لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا يشبع منه العلماء.
(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) أي ولا يزال الكافرون تصيبهم البلايا والرزايا، من القتل والأسر، والسلب والنهب، بسبب تماديهم فى الكفر وتكذيبهم لك وإخراجك من بين أظهرهم.
(أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) أي أو تحل تلك القارعة قريبا من دارهم فيفزعون منها ويتطاير شررها إليهم.
(حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) أي حتى ينجز الله وعده الذي وعدك فيهم، بظهورك عليهم، وفتحك أرضهم، وقهرك إياهم بالسيف.
(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) أي إن الله منجزك ما وعدك من النصر عليهم، لأنه لا يخلف وعده كما قال: «فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ».
ولما كان الكفار يسألون النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الآيات على سبيل الاستهزاء والسخرية، وكان ذلك يشق عليه، ويتأذى منه، أنزل الله تسلية له على سفاهة قومه قوله:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي إن يستهزئ بك هؤلاء المشركون من قومك ويطلبوا منك الآيات تكذيبا لما جئتهم به فاصبر على أذاهم وامض لأمر ربك، فلقد استهزأت أمم من قبلك برسلهم.
ثم بين سبحانه شأنه مع المكذبين فقال:
(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي فتركتهم ملاوة أي مدة من الزمان فى أمن ودعة كما يملى للبهيمة فى المرعى.

صفحة رقم 106

(ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) أي ثم أحللت بهم عذابى ونقمتى حين تمادوا فى غيهم وضلالهم، فانظر كيف كان عقابى إياهم حين عاقبتهم- ألم أذقهم أليم العذاب وأجعلهم عبرة لأولى الألباب؟.
وقد صدق الله وعده، ونصر رسوله على عدوه، فدخل فى دين الله من دخل، ومن أبى قتل، ودانت العرب كلها له، وانضوت تحت لوائه، وحقت عليهم كلمة ربك وفى هذا تعجيب مما حل بهم، ودلالة على شدته وفظاعة أمره كما لا يخفى.
ثم ذكر سبحانه ما يجرى مجرى الحجاج عليهم، وما فيه توبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، وكيف إنها وصلت إلى حد لا ينبغى لعاقل أن يقبله ولا يرضى به فقال:
(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) أي أفمن هو قائم بحفظ أرزاق الخلق ومتولى أمورهم وعالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال من خير أو شر ولا يعزب عنه شىء كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تدفع عن نفسها ولا عمن يعبدها ضرا، ولا تجلب لهم نفعا.
وخلاصة ذلك- أنه لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، وإنما العجب كل العجب من جعلهم القادر على إنزالها المجازى لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها- بقوارع تترى واحدة بعد أخرى يشاهدونها رأى العين- كمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن اتخاذه ربا يرجى نفعه، أو يخشى ضره.
ونحو الآية قوله: «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها» وقوله: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» وقوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
ثم أكد هذا بقوله:
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) عبدوها معه من أصنام وأوثان وأنداد.
ثم أعقب ذلك بتوبيخ إثر توبيخ فقال:

صفحة رقم 107

(قُلْ سَمُّوهُمْ) أي صفوهم، فهل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة، وقد يكون المعنى، سموهم من هم وما أسماؤهم؟ فإنهم ليسوا ممن يذكر ويسمّى، فإنما يسمى من ينفع ويضر.
(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) أي بل أتخبرونه بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو تخبرونه بصفات لهم يستحقون لأجلها العبادة وهو لا يعلمها، وفى هذا نفى لوجودها، لأنها لو كانت موجودة لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.
(أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) أي بل أتسمونهم شركاء ظنا منكم أنهم ينفعون ويضرون كما تسمونهم آلهة كما قال: «إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى».
وخلاصة حجاجه على المشركين- نفى الدليل العقلي والدليل النقلى على أحقية عبادتها- فبعد أن هدم قاعدة الإشراك بقوله: «أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» زاد ذلك إيضاحا فقال: وليتهم إذ أشركوا بربهم الذي لا ينبغى أن يشرك به- أشركوا به من له حقيقة واعتبار ومن ينفع ويضر، لا من لا اسم له فضلا عن المسمى، بل من لا يعرف له وجود فى الأرض ولا فى السماء، ويريدون أن ينبئوا عالم السر والنجوى بما لا يعلمه، ثم زاد على ذلك فقال: وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحتها طائل وما هى إلا أصوات جوفاء كثيرة المبانى خالية من المعاني.
(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) أي دع هذا الحجاج وألق به جانبا، فإنه لا فائدة فيه، لأنه زيّن لهم كيدهم، لاستسلامهم للشرك، وتماديهم فى الضلال.
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) أي وصرفوا عن سبيل الحق، بما زين لهم من صحة ما هم عليه.

صفحة رقم 108

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية