ثم ذكر بعض فضائل القرآن، وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعرّض لردّ ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال : وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا أي : مثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا القرآن مشتملاً على أصول الشرائع وفروعها. وقيل : المعنى : وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب، ونريد بالحكم ما فيه من الأحكام، أو حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصاب حكماً على الحال وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء مما يعتقدونه بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم الذي علمك الله إياه مالك مِنَ الله أي : من جنابه مِن وَلِىّ يلي أمرك وينصرك وَلاَ وَاقٍ يقيك من عذابه. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريض لأمته، واللام في ولئن اتبعت هي الموطئة للقسم، و مالك سادّ مسدّ جواب القسم والشرط.
وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سعد بن هشام قال : دخلت على عائشة فقلت : إني أريد أن أتبتل ؟ قالت : لا تفعل، أما سمعت الله يقول : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً . وقد ورد في النهي عن التبتل والترغيب في النكاح ما هو معروف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قالت قريش حين أنزل : مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا شيئاً، ويحدث الله في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ قال : ينزل الله في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد سبق له خير حتى يموت على طاعة الله.
وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً في الآية قال : هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت، وعنده أم الكتاب، أي : جملة الكتاب. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال :( إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درّة بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان : لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب . وإسناده عند ابن جرير هكذا : حدّثنا محمد بن شهر بن عسكر، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ويثبت ) الحديث. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بإسناد. قال السيوطي : ضعيف، عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ الشقاوة والسعادة والحياة والممات ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال :( لا ينفع الحذر من القدر، ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر ). وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد قال :( العاشر من رجب وهو يوم يمحو الله فيه ما يشاء ).
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت :( اللهمّ إن كنت كتبت عليّ شقوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة ). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله : يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ قال : يبدّل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدّله وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب يقول : وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب : الناسخ والمنسوخ، ما يبدّل، وما يثبت كل ذلك في كتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب قال : الذكر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن يسار، عن ابن عباس : أنه سأل كعباً عن أمّ الكتاب، فقال : علم الله ما هو خالق، وما خلقه عالمون، فقال لعلمه : كن كتاباً، فكان كتاباً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني