ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)
كذلك، التشبيه بين ما هو كائن، وما قدره الله تعالى، وأحكمه، أي كهذا الذي تراه من نزول القرآن بلسان عربي مبين قدرناه وأحكمناه حكما عربيا، ووصف الحكم الإسلامي بأنه عربي؛ لأن القرآن الذي هو حجته عربي؛ ولأن الرسول الذي بعث به عربي؛ ولأنه من سلالة إبراهيم أبي العرب، ولم يكن من سلالة إسحاق، بل من سلالة إسماعيل ضئضئي العرب.
وليس معنى ذلك أنه مقصور حكمه على العرب فتلك فرية، إنما معناه في الحدود التي ذكرناها؛ لأن القرآن شريعته عامة للناس كافة، لَا فرق بين عربي وأعجمي.
ويصح أن يراد من كلمة (حُكْمًا) قرآن، أي أنزلناه قرآنا عربيا، وعبر عنه بحكم؛ لأن ما اشتمل عليه هو الحكم القائم إلى يوم القيامة.

صفحة رقم 3963

والعربية صفة الشريعة وإن كانت عامة في تطبيقها؛ وذلك لأن الشريعة نزلت، واختار الله تعالى نبيه من بينهم، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ...)؛ وذلك لأن العرب من بين الأمم كانوا أعرف الناس بالله فهم كما ذكرنا في عدة من كتاباتنا كانوا يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن، ويؤمنون بأنه واحد في ذاته وصفاته، ولكنهم كانوا في العبادة يشركون معه الأوثان، وغيرهم من الأمم التي عاصرت مبدأ الإسلام ما كانت فيها معرفة الله تعالى تلك المعرفة فكانت جديرة بأن تكون أرض الدين الذي يدعو إلى التوحيد المطلق، إذ كانت فيه بذوره، فكان عمل محمد - ﷺ - تقويم سوقه.
وإن ذلك يقتضي ألا يتبع النبي - ﷺ - أهواء المشركين، ولا أهواء أهل الكتاب؛ ولذا قال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) الضمير في (أَهْوَاءَهُم) يعود إلى المشركين وأهل الكتاب، وقد وصف بأن ما هو عليه هوى الأنفس، وشهوة العقل الفاسد، فهو الخاضع للأوهام الذي لَا يسيطر عليه عقل مدرك، ولا جاء من العلم للنبي - ﷺ - هو علم التوحيد، وعلم التكليف، وكل ما عداه انبعث من الهوى وضلال الفكر، وفساد الاعتقاد، واللام في قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ) هي لام مؤكدة ممهدة للقسم، وما جاء بعد ذلك جواب القسم لا جواب الشرط؛ لأنه إذا اجتمع الشرط والقسم يكون جواب القسم أولى وأجدر، ويكون دالا على جواب الشرط، فالكلام فيه قسم مطوي، وهو تأكيد للحكم، وهو العذاب الذي ينزله الله تعالى، ولا وقاية منه، أيا كان الواقي، والخطاب للنبي - ﷺ -، وليس هناك احتمال لأن يتبع النبي - ﷺ - أهواءهم فما اتبعها قبل أن يبعثه الله رسولا، فكيف يتبعها بعد أن شرفه الله تعالى بالرسالة العامة الخالدة، وإنما الخطاب له ابتداء، لتقتدي به أمته، وتتبعه، أو يكون الخطاب لكل قارئ للقرآن مخاطب بأحكامه وبيانه، وجواب القسم (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) من الله متعلق بـ (وَاقٍ)، ومن الثانية لاستغراق النفي، أي ليسى لك واقٍ من عذاب الله تعالى أي واقٍ كان، كقوله

صفحة رقم 3964

تعالى: (... مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نصِيرٍ).
اللهم قنا شر غضبك، واجعلنا في وقاية من معصيتك، فإنها الوقاية من النار.
* * *
الرسل من البشر
قال اللَّه تعالى:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)
* * *
كان المشركون يقولون: إنه لَا يكون رسولا لله تعالى إلا ملك يجيء إليهم، ولا يكون بشرًا، وقد رد الله تعالى في كلامهم في أكثر من آية في ثنايا كتابه الكرم: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، وكانوا يقولون: (... مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ...).
وفى هذه الآية بين سبحانه وتعالى أنه قد سبق الرسل والأنبياء مثل إبراهيم وإسماعيل، وأولاد إبراهيم من إسحاق فكل أولئك كانوا رسلا وأنبياء وكانوا بشرا، فقال تعالى:

صفحة رقم 3965

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية