ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

هذه الآية تحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يبلغ منهج الله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إلا أن قول الحق سبحانه في رسوله صلى الله عليه وسلم :
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ١٢٨ " ( سورة التوبة ) جعله هذا القول متعلقاً بهداية قومه جميعاً، وكان يرجو أن يكون الكل مهتدياً ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله في موقع آخر :
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " ٦ " ( سورة الكهف ) أي : أنك لست مسئولاً عن إيمانهم، وعليك ألا تحزن إن لم ينضموا إلى الموكب الإيماني، وكل ما عليك أن تدعوهم وتبلغهم ضرورة الإيمان ؛ والحق سبحانه هو الذي سوف يحاسبهم إما في الدنيا بالمحو والإهاب، أو في الآخرة بأن يلقوا عذاب النار.
وحين يقول الحق سبحانه : وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب " ٤٠ " ( سورة الرعد ).
فنحن نعلم أن كل دعوة من دعوات الخير تكبر يوماً بعد يوم ؛ ودعوات الشر تبهت يوماً بعد يوم، ومن يدعو إلى الخير يحب ويتشوق أن يرى ثمار دعوته وقد أينعت، ولكن الأمر في بعض دعوات الخير قد يحتاج وقتاً يفوق عمر الداعي.
ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم :
وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك.. " ٤٠ " ( سورة الرعد ) أي : اغرس الدعوة، ودع من يقطف الثمرة إلى ما بعد ذلك، وأنت حين تتفرغ للغرس فقط ؛ ستجد الخير والثمار تأتي حين يشاء الله ؛ سواء شاء ذلك إبان حياتك أو من بعد موتك.
وأنت إذا نظرت إلى الدعوات التي تستقبلها الحياة تجد أن لكل دعوة أنصاراً أو مؤيدين، وأن القائمين على تلك الدعوات قد تعجلوا الثمرة ؛ مع أنهم لو تمهلوا ليقطفها من يأتي بعدهم لنجحت تلك الدعوات.
ونحن في الريف نرى الفلاح يغرس ؛ ومن خلال غرسه نعرف مراداته، هل يعمل لنفسه، أو يعمل من أجل من يأتي بعده ؟.
فمن يغرس قمحاً يحصد بسرعة تفوق سرعة من يغرس نخلة أو شجرة من المانجو، حيث لا تثمر النخلة أو شجرة المانجو إلا بعد سنين طويلة، تبلغ سبع سنوات في بعض الأحيان، وهذا يزرع ليؤدي لمن يجئ ما أداه له من ذهب.
ونحن نأكل من تمر زرعه لنا غيرنا ممن ذهبوا، ولكنهم فكروا فيمن سيأتي من بعدهم، ومن يفعل ذلك لابد وأن يكون عنده سعة في الأرض التي يزرعها ؛ لأن من لا يملك سعة من الأرض فهو يفكر فقط فيمن يعول وفي نفسه فقط ؛ لذلك يزرع على قدر ما يمكن أن تعطيه الأرض الآن.
أما من يملك سعة من الأرض وسعة في النفس ؛ فهو من وضع في قلبه مسئولية الاهتمام بمن سيأتون بعده. وأن يرد الجميل الذي أسداه له من سبقوه، بأن يزرع لغيره ممن سيأتون من بعده.
ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام شهدت له بأنه لم يبحث لنفسه عن ثمرة عاجلة ؛ بل نجد الدعوة وهي تقابل الصعاب تلو الصعاب، ويلقي صلى الله عليه وسلم ما تلقى من العنت والإرهاق والجهد ؛ بعد أن جهر بالدعوة في عشيرته الأقربين.
ثم ظلت الدعوة تتسع في بعض العشائر والبطون إلى أن دالت عاصمة الكفر ؛ وصارت مكة بيت الله الحرام كما شاء الله، وأسلمت الجزيرة كلها لمنهج الله، وأرسل صلى الله عليه وسلم الكتب إلى الملوك والقياصرة، .
وكلها تتضمن قوله صلى الله عليه وسلم " أسلم تسلم "
ودلت هذه الكتب على أن الدعوة الإسلامية هي دعوة ممتدة لكل الناس ؛ تطبيقاً لما قاله الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه : " رسول للناس كافة ".
قال تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً.. " ٢٨ " ( سورة سبأ ) وفهم الناس الفارق بين رسالته صلى الله عليه وسلم وبين كافة الرسالات السابقة، فإلى قوم عاد أرسل هوداً عليه السلام. يقول الحق سبحانه : وإلى عادٍ أخاهم هوداً.. " ٦٥ " ( سورة الأعراف )
وقال عن أهل مدين : وإلى مدين أخاهم شعيباً.. " ٨٥ " ( سورة الأعراف )
وقال عن بعثة موسى : ورسولاً إلى بني إسرائيل.. " ٤٩ " ( سورة آل عمران ).
وهكذا حدد الحق سبحانه زمان ومكان القوم في أي رسالة سبقت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
لكن الأمر يختلف حين أرسل سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً وجعله للناس كافة، فقد علم سبحانه أزلاً أن هذا هو الدين الخاتم ؛ لذلك أرسل رسول الله إلى حكام العالم المعاصرين له دعوة لدخول الدين الخاتم.
وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المهمة لمن يخلفونه، ودعا صلى الله عليه وسلم الجزيرة العربية تحت لواء " لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله " بعد أن كانت قبائل متعددة.
كل قبيلة كانت لا تلزم نفسها بعبادة إله القبيلة الأخرى ؛ وكل قبيلة لا تلزم نفسها بتقنين القبيلة الأخرى، ولم يجمعهم أبداً شمل، ولا استيطان لهم إلا في بعض القرى، ذلك أن أغلبهم من البدو الرحل ؛ كل واحد منهم يحمل بيته الخيمة على ظهر بعيره، ويمشي بحثاً عن الكلأ والماء لأغنامه وماشيته.
فلم يكن عندهم انتماء وطني ؛ فضلاً عن القبائل التي كانت تتقاتل فيما بينها في تارات عنيفة، وامتدت الحرب فيما بين بعض القبائل إلى أربعين عاماً في بعض الأحيان.
استطاع صلى الله عليه وسلم أن يوظف ما كانوا عليه من تدريب وعتاد وعدة لنصرة دين الله ؛ فحين إعداده للغزوات أو اختياره للسرايا كان يجد المقاتلين في كامل لياقتهم. وحين استدعاهم إلى الحرب لم يجر لهم تدريبات ؛ فقد كان الكل مدرباً على القتال.
وهكذا صارت القبائل أمة واحدة بعد أن جمعهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وحدة التكامل العقدي تحت راية الإسلام، وهذه الأمة الأمية، قال فيها الحق سبحانه :
هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم.. " ٢ " ( سورة الجمعة )
وكانت هذه الأمية شرفاً لهم كيلا يقال : إنهم أصحاب قفزة حضارية من أمة متمدينة. وكانت هذه الأمية ملفتة، لأن ما جاء في تلك الأمة من تشريعات وقفت أمامه الأمم الأخرى إلى زماننا هذا باندهاش وتقدير.
وشاء الحق سبحانه لهذه الأمة أن تحمل رسالة السماء لكل الأرض، وبعد أن نزل قول الحق سبحانه : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.. " ٣ " ( سورة المائدة ).
فهم بعض الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينعي نفسه لأمته. ومن بعد رحيله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته بالدين الخاتم في الدنيا كلها، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام جناحان ؛ جناح في الشرق، وجناح في الغرب. وهزم اكبر إمبراطوريتين متعاصرتين له ؛ هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم.
وكانت البلاد تتخطف الإسلام كمنهج حياة، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلام الإمبراطوريتين في آن واحد، وأقبل الناس على الإسلام ليتحققوا من معجزته التي لمسوها في خلق من سمعوا القرآن وحملوا رسالته ؛ ثم في اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة.
وهكذا اكتشفوا أن معجزة الإسلام عقلية ؛ وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم الذي لم يأت لهم بمعجزة حسية، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فالقرآن لمن لم يعرفوا لغة القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه.
وكان الناس يندفعون إلى الإسلام بقوة دفع من المؤمنين به، وبقوة جذب من غير المؤمنين ؛ حين يرون ألا فرق بين الأمير وأصغر فرد تحت رايته، وحين يلمسون عدالته ومساواته بين البشر. ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط ؛ بل لكل الدنيا، ويتحقق دائماً قول الحق سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " ٥٣ " ( سورة فصلت ).
ونجد مفكراً كبيراً من الغرب المعاصر يعلن إسلامه، رغم أنه لم يقرأ القرآن ؛ بل نظر فقط في المبادئ التي قننها الإسلام، وكيف تحمل حلولاً لما عجزت عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل بلاد الأرض.
ويعرف أن تلك القوانين قد جاءت لرسول ينتمي لأمة لم تبرع إلا في البلاغة والأدب، وتضع تلك القوانين حلولاً لمشاكل تعاني منها الدنيا كلها.
ورأينا كيف بحث رجل عن أعظم مائة في تاريخ البشرية، وكيف جعل محمداً صلى الله عليه وسلم أولهم، وهذا الباحث لم يقرأ القرآن ؛ ولكنه درس آثار تطبيق القرآن، وبعد أن يجب بالمنهج القرآني نجد يعجب بالنص القرآني.
والمثل : هو دراسة الألمان لعملية إدراكات الحس ؛ وكيف يشعر الإنسان بالألم ؟ وكيف يلمس الإنسان ببشرته بملمس ناعم فيسر منه، ثم يلمس شيئاً خشناً فيتأذى منه.
واستمر الألمان يدرسون ذلك لسنوات ؛ كي يعرفوا مناط الإحساس وموقعه في الإنسان، هل هو في المخ أم أين ؛ إلى أن انتهوا إلى مناط الإحساس في كل إنسان هو في الجلد، وأنها خلايا منبسطة تحت الجلد مباشرة ؛ بدليل أن الإبرة حين نغرزها في جسم الإنسان ؛ فهو يتألم فقط في منطقة دخولها ؛ وليس أكثر. ولفت ذلك نظر أحد العلماء ؛ فقال : لقد تحدث القرآن عن ذلك حين قال : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً " ٥٦ " ( سورة النساء ).
ومن الأمثلة المعاصرة في العلوم الجنائية قصة شاب مسلم من سوهاج سافر إلى ألمانيا ليعد رسالة الدكتوراه في القانون، ووجدهم يقفون عند قضية التعسف في استعمال الحق، ويعتبرونها من أهم الإنجازات القانونية في القرآن العشرين، فأوضح لهم هذا الشاب أن الإسلام قد سبقهم في تقدير هذه المسألة ووضع الحكم المناسب فيها من أربعة عشر قرناً من الزمان.
وروي لهم أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : إن لفلان عندي في ساحة بيتي نخلة، وهو يدخل بيتي كل ساعة بحجة رعاية تلك النخلة ؛ مرة بدعوى تأبيرها ؛ وأخرى جني ثمارها، وثالثة بدعوى الاطمئنان عليها حتى جعل النخلة شغله الشاغل، وشكا الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يتأذى هو وأهل بيته من اقتحام الرجل للحياة الخاصة له، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى صاحب النخلة وقال له : " أنت بالخيار بين ثلاثة مواقف : إما أن تهبه النخلة وتلك منتهى الأريحية، وإما أن تبيعها له، وإما قطعناها "
وهكذا وضع صلى الله عليه وسلم قواعد للتعامل فيما يسمى " التعسف في استعمال الحق ". وفي إنجلترا وجدوا أن القانون التجاري مليء بالثغرات، ومثال هذا أن التعامل في السوق قد يتطلب بعضاً من المرونة بين التجار ؛ فهذا يرسل لذلك طالباً من الآخر ألفاً من الجنيهات وفلان يرد ما أخذه أو يقايضه.
واصطدم الواقع بأن بعض التجار لا يعترفون ببعض الديون التجارية التي عليهم، وقديماً كان إذا أراد تاجر أن يقترض من زميل له ؛ فهو يكتب الدين في كمبيالة أو إيصال أمانة ؛ وذلك لتوثيق الدين.
ولكن الأمر اليومي في السوق قد يختلف ؛ فهذا يحتاج نقوداً لأمر عاجل، وزميله يثق في قدرته على الرد والتسديد ؛ لأنه قد يحتاج هو الآخر لنقود عاجلة، ويثق أن من يقرضه الآن، سيقرضه فيما بعد ؛ ولذلك أنشأوا ما يسمى بالدين التجاري، فيفتحون " دفتراً " يسجلون في الديون التجارية ؛ لتحكم الدفاتر فيما يعجز عن تذكره الأشخاص.
وذهب شاب مسلم لبعثة دراسية هناك ؛ وأوضح لهم أن قضية الدين أخذت اهتمام الإسلام ؛ لدرجة أن أطول آية في القرآن هي ا

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير