ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

و " يروا " هنا بمعنى " يعلموا "، ولم يقل ذلك ؛ لأن العلم قد يكون علماً بغيب، ولكن " يروا تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية علم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أين.
وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل ؛ ووجدنا فيه فعل الرؤية ؛ فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مشهدٍ، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " ١ " ( سورة الفيل ).
ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد في عام الفيل، ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صدق ما جاء به القول الحق وكأنه رؤيا مشهدية. وقال الحق سبحانه : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً.. " ٤٥ " ( سورة الفرقان )
وحين يعبر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل " يرى " مثل قوله الحق : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم.. " ١٢ " ( سورة السجدة ).
وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول : أفلا يرون.. " ٤٤ " ( سورة الأنبياء )
وهنا يقول الحق سبحانه : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. " ٤١ "
( سورة الرعد ) وهذا قول للحاضر المعاصر لهم.
وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب في أن نعرف الأرض ؛ قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها ؛ وبالمعنى الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر.
وقد تنسب الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حدث ما ؛ مثل قول الحق سبحانه عن قارون : فخسفنا به وبداره الأرض.. " ٨١ " ( سورة القصص.
ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. " ٥٥ " ( سورة النور ).
وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضاً : فذروها تأكل في أرض الله.. " ٧٣ "
( سورة الأعراف ).
وهكذا نفهم أن كلمة " الأرض " تطلق على بقعة لها حدث خاص، أما إذا أطلقت ؛ فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه : والأرض وضعها للأنام " ١٠ " ( سورة الرحمن )
ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل : وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. " ١٠٤ "
( سورة الإسراء ).
مع أنه قد قال لهم في آية أخرى : ادخلوا الأرض المقدسة.. " ٢١ " ( سورة المائدة )
ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر : وقطعناهم في الأرض أمماً.. " ١٦٨ " ( سورة الأعراف ) أي : جعلنا كل قطعة بما تحويه من تماسك متفرقة عن القطعة الأخرى، وهذا هو حال اليهود في العالم ؛ حيث يوجدون في أحياء خاصة بكل بلد من بلاد العالم ؛ فلم يذوبوا في مجتمع ما. وقوله الحق هنا :
أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. " ٤١ " ( سورة الرعد )
موجه إلى قريش، فقد كانت لهم السيادة ومركزها مكة، ثم من بعد ذلك وجدوا أن الموقف يتغير في كل يوم عن اليوم الآخر ؛ ففي كل يوم تذهب قبيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لتعلن إسلامها وتبايعه. وهكذا تنقص أمام عيونهم دائرة الكفر، إلى أن أعلنوا هم أنفسهم دخولهم في الإسلام.
وهكذا شاء الحق سبحانه أن نقصت أرض الكفر، وازدادت أرض الإيمان، ورأوا ذلك بأنفسهم ولم يأخذوا عبرة بما رأوه أمام أعينهم من أن الدعوة ممتدة، ولن تتراجع أبداً، حيث لا تزداد أرض إلا بمكين فيها.
والمكين حين ينقص بموقعه من معسكر الكفر فهو يزيد رقعة الإيمان ؛ إلى أن جاء ما قال فيه الحق سبحانه : إذا جاء نصر الله والفتح " ١ " ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " ٢ " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " ٣ " ( سورة النصر )
وهناك أناس مخلصون لدين الله، ويحاولون إثبات أن دين الله فيه أشياء تدل على المعاني التي لم تكتشف بعد، فقالوا على سبيل المثال فور صعود الإنسان إلى القمر : لقد أوضح الحق ذلك حين قال :
يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان.. " ٣٣ " ( سورة الرحمن )
وقالوا : إنه سلطان العلم. ولكن ماذا يقولون في قوله بعدها :
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران " ٣٥ " ( سورة الرحمن )
فهل يعني ذلك أنه أباح الصعود بسلطان العلم كما تقولون ؟.
ولهؤلاء نقول : نحن نشكر لكم محاولة ربطكم للظواهر العلمية بما جاء بالقرآن، ولكن أين القمر بالنسبة لأقطار السماوات والأرض ؟ إنه يبدو كمكان صغير للغاية بالنسبة لهذا الكون المتسع، فأين هو من النجم المسمى بالشعري، أو بسلسلة الأجرام المسماة بالمرأة المسلسلة ؟ بل أين هو من المجرات التي تملأ الفضاء ؟.
وحين تنظر أنت إلى النجوم التي تعلوك تجد أن بينك وبينها مائة سنة ضوئية، ولو كنت تقصد أن تربط بين سلطان العلم وبين القرآن، فعليك أن تأخذ الاحتياط، لأنك لو كنت تنفذ بسلطان العلم لما قال الحق سبحانه بعدها :
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس.. " ٣٥ " ( سورة الرحمن ).
وإن سألت : وما فائدة الآية التي تحكي عن هذا السلطان ؛ فهي قد جاءت لأن الرسول قد أخبر القوم أنه صعد إلى السماء وعرج به، أي : أنه صعد وعرج به بسلطان الله. وهنا يقول الحق سبحانه :
أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. " ٤١ " ( سورة الرعد ).
وكلمة " أطراف " تدلنا على أن لكل شيء طولاً وعرضاً تتحدد به مساحته ؛ وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه. ونحن نعرف أن أي طول له طرفان، وإن كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع. ومادام الحق سبحانه يقول هنا :
من أطرافها.. " ٤١ " ( سورة الرعد ) أي : من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفاً. ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أن تضيق أرض الكفار، وأن يوسع أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر، وهذا القول يدل على أنه عملية محدثة، ولم تكن كذلك من قبل.
ويتابع سبحانه من بعد ذلك : والله يحكم ولا معقب لحكمه.. " ٤١ " ( سورة الرعد )أي : أن الموضوع قد بت فيه وانتهى أمره.. ونحن في حياتنا اليومية نقول : " هذا الموضوع قد انتهى ؛ لأن الرئيس الكبير قد عقب على الحكم فيه ".
ونحن في القضاء نجد الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم أو يرفضه، ولا يقال : إن الاستئناف قد عقب على الحكم الابتدائي ؛ بل يقال : إنه حكم بكذا إما تأييداً أو رفضاً ؛ فما بالنا بحكم من لا يغفل ولا تخفى عنه خافية، ولا يمكن أن يعقب أحد عليه ؟ والمثل في ذلك ما يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود عليهما السلام :
وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين " ٧٨ " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلماً.. " ٧٩ " ( سورة الأنبياء ).
وأصل الحكاية أن خلافاً قد حدث بسبب أغنام يملكها إنسان ؛ واقتحمت الأغنام زراعة إنسان آخر ؛ فتحاكموا إلى داود عليه السلام ؛ فقال داود : إن على صاحب الأغنام أن يتنازل عنها لصاحب الأرض.
وكان سيدنا سليمان عليه السلام جالساً يسمع أطراف الحديث فقال : لا، بل على صاحب الأغنام أن يتنازل عن أغنامه لصاحب الأرض لفترة من الزمن يأخذ من لبنها ويستثمرها، وينتفع بها إلى أن يزرع له صاحب الغنم مثل ما أكلت الأغنام من أرضه.
وقال الحق سبحانه : ففهمناها سليمان.. " ٧٩ " ( سورة الأنبياء ).
وهذا هو الاستئناف، ولا يعني الاستئناف طعن قاضٍ في القاضي الأول ؛ لكنه بحث عن جوهر العدل ؛ ولعل القضية إن أعيدت لنفس القاضي الأول لحكم نفس الحكم الذي حكم به الاستئناف بعد أن يستكشف كل الظروف التي أحاطت بها.
وهنا يقول الحق سبحانه : والله يحكم.. " ٤١ " ( سورة الرعد ).
ولحظة أن يصدر الله حكماً ؛ فلن يأتي له استئناف، وهذا معنى قوله الحق :
لا معقب لحكمه.. " ٤١ " ( سورة الرعد ).
وكان هذا القول الحكيم يحمل التنبؤ بما أشار به القضاء بإنشاء الاستئناف ؛ ولا أحد يعقب على حكم الله ؛ لأن المعقب يفترض فيه أن يكون أيقظ من المعقب عليه ؛ وعنده قدرة التفاف إلى ما لم يلتفت إليه القاضي الأول، ولا يوجد قيوم إلا الله، ولا أحد بقادر على أن يعلم كل شيء إلا هو سبحانه، وآفة كل حكم هو تنفيذه ؛ ففي واقعنا اليومي نجد من استصدر حكماً يعاني من المتاعب كي ينفذه ؛ لأن الذي يصدر الحكم يختلف عمن ينفذه، فهذا يتبع جهة، وذاك يتبع جهة أخرى، ولكن الحكم الصادر من الله ؛ إنما ينفذ بقوته سبحانه، ولا يوجد قوى على الإطلاق سواه، ولذلك يأتي قول الحق :
وهو سريع الحساب " ٤١ " ( سورة الرعد ) فكأن الله ينبهنا بهذا القول إلى أن الحكم بالعدل يحتاج إلى سرعة تنفيذ، ونحن نرى في حياتنا اليومية : كيف يرهق من له حكم بحق عادل ؛ ولو أننا نسرع بتنفيذ الأحكام لسادت الطمأنينة قلوب أفراد المجتمع.
ونحن نجد استشراء العصبيات في الأخذ بالثأر إنما يحدث بسبب الإبطاء في نظر القضايا ؛ حيث يستغرق نظر القضية والحكم فيها سنوات ؛ مما يجعل الحقد يزداد، لكن لو تم تنفيذ الحكم فور معرفة القاتل، وفي ظل الانفعال بشراسة الجريمة ؛ لما ازدادت عمليات الثأر ولهدأت النفوس.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير