تفسير المفردات : والمكر : إرادة المكروه في خفية، وعقبى الدار : أي العاقبة الحميدة، والأم : أصل الشيء وما يجري مجراه، كأم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة.
المعنى الجملي : سبق أن ذكر أنهم اقترحوا عليه الآيات استهزاء به وطلبوا استعجال السيئة التي توعدهم بها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى وقوع بعض ما توعدوا به ليكون زاجرا لغيرهم، ذكر هنا لرسوله أن وظيفته التبليغ، ولا يهمه ما سينالهم من الجزاء فعلينا حسابهم، وهل هم في شك من حصول ما توعدناهم به وهم يرون بلادهم تنقص من جوانبها بفتح المسلمين لها وقتل أهلها وأسرهم وتشريدهم، والله يحكم في خلقه كما يريد، وقد حكم للمسلمين بالعز والإقبال، وعلى أعدائهم بالقهر والإذلال، ثم بيّن أن قومه ليسوا ببدع في الأمم فقد مكر من قبلهم بأنبيائهم ولم يكن مكرهم ليضيرهم شيئا فكانت العاقبة للمتقين، وأهلك الله القوم الظالمين، وسيعلم الكافرون حين يحل بهم العذاب، لمن حسن العاقبة ؟ ثم ذكر إنكار اليهود لرسالته وأمره بالجواب عن ذلك بأن الله شهد له بأنه صادق فيها، فأيده بالأدلة والحجج، وفي شهادته غني عن شهادة أي شاهد آخر، وكذلك شهد من آمن من أهل الكتاب بأنهم يجدون وصفه في كتبهم.
ثم بيّن أن قومه ليسوا ببدع في الأمم، قد مكر كثير ممن قبلهم بأنبيائهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فقال :
وقد مكر الذين من قبلهم أي وقد مكر كثير من كفار الأمم الماضية بأنبيائهم كما فعل نمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، ثم دارت الدائرة على الظالمين، وأهلك الله المفسدين.
وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصبير بأن العاقبة له لا محالة.
فلله المكر جميعا أي إن مكر الماكرين لا يضر إلا بإذنه تعالى، ولا يؤثر إلا بتقديره، فيجب ألا يكون الخوف إلا منه تعالى. وفي هذا أمان له صلى الله عليه وسلم من مكرهم. يعلم ما تكسب كل نفس فيعصم أولياءه ويعاقب الماكرين بهم، ليوفي كل نفس جزاء ما كسبت.
وفي هذا ما لا يخفى من شديد الوعيد والتهديد للكافرين الماكرين.
ثم أكد هذا التهديد بقوله :
وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار أي وسيعلم الكفار إذا قدموا إلى ربهم يوم القيامة حين يدخل الرسول والمؤمنون الجنة ويدخلون النار، لمن العاقبة المحمودة إذ ذاك، وإن جهلوا ذلك من قبل ؟
تفسير المراغي
المراغي